عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

285

اللباب في علوم الكتاب

الشّهر ، فليصم كلّ الشهر ، فعلى هذا : من شهد هلال رمضان ، فقد شهد جزءا من أجزاء الشّهر ، وعلى هذا التقدير ، يستقيم معنى الآية ، وليس فيه إلّا حمل لفظ الكل على الجزء ، وهو مجاز مشهور . ولقائل أن يقول : إنّ الزجّاج قال : إنّ الشّهر اسم للهلال نفسه ؛ كما تقدّم عنه ، وإذا كان كذلك ، فقد زال كلّ ما ذكره من ارتكاب المجاز وغيره . قال القرطبيّ « 1 » : وأعيد ذكر الشّهر ؛ تعظيما له ؛ كقوله الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ [ الحاقة : 1 - 2 ] ؛ وأنشد على أنّه اسم للهلال قول الشاعر : [ الكامل ] 943 ب - أخوان من نجد على ثقة * والشّهر مثل قلامة الظّفر حتّى تكامل في استدارته * في أربع زادت على عشر « 2 » فصل [ في وجوب الصوم لمن شهد الشهر ] روي عن عليّ - رضي اللّه عنه - أنّ من دخل عليه الشهر ، وهو مقيم ثم سافر فالواجب عليه الصّوم ، ولا يجوز له الفطر ؛ لأنه شهد الشهر « 3 » . وأما سائر الفقهاء من الصّحابة وغيرهم ، فقد ذهبوا إلى أنه إذا أنشأ السّفر في رمضان ، جاز له الفطر ، ويقولون : قوله « فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ » ، وإن كان عامّا يدخل فيه الحاضر والمسافر ، إلّا أن قوله بعد ذلك : « فمن كان مريضا ، أَوْ عَلى سَفَرٍ ، فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ » خاصّ ، والخاصّ مقدّم على العامّ . ذهب أبو حنيفة - رضي اللّه عنه - إلى أنّ المجنون ، إذا أفاق في أثناء الشهر يلزمه قضاء ما مضى . قال : لأنّا دللنا على أنّ الآية دلّت على أنّ من أدرك جزءا من رمضان ، لزمه صوم رمضان ؛ فيكون صوم ما تقدّم منه واجبا ؛ فيجب قضاؤه . فصل في كيفية شهود الشّهر شهود الشّهر : إما بالرّؤية أو بالسّماع . أما الرؤية : فنقول : إذا رأى إنسان هلال رمضان وحده ، فإما أن يرد الإمام شهادته أو لا ؛ فإن ردّت شهادته ، وجب عليه الصّوم ؛ لأنّه شهد الشّهر ، وإن قبل شهادته أو لم ينفرد بالرّؤية ، فلا شك في وجوب الصّوم .

--> ( 1 ) ينظر : تفسير القرطبي 2 / 195 . ( 2 ) تقدم برقم 940 . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 3 / 450 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 344 ) وزاد نسبته لوكيع وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - .