عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
284
اللباب في علوم الكتاب
سكّنوها ؛ تشبيها لها مع الواو والفاء ب « كتف » ؛ إجراء للمنفصل مجرى المتصل . وقرأ السّلميّ وأبو حيوة وغيرهما بالأصل ، أعني كسر لام الأمر في جميع القرآن . وفتح هذه اللام لغة سليم فيما حكاه الفراء ، وقيّد بعضهم هذا عن الفراء ، فقال : « من العرب من يفتح اللام ؛ لفتحة الياء بعدها » ، قال : « فلا يكون على هذا الفتح إن انكسر ما بعدها أو ضمّ : نحو : لينذر ، ولتكرم أنت خالدا » . والألف واللام في قوله « فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ » للعهد ، إذ لو أتى بدله بضمير ، فقال : « فمن شهده منكم » لصحّ إلا أنّه أبرزه ظاهرا ؛ تنويها به . فصل في بناء القولين على مخالفة الظاهر قال ابن الخطيب « 1 » واعلم أن كلا القولين أعني : كون مفعول « شهد » محذوفا أو هو الشّهر لا يتم إلّا بمخالفة الظاهر . أما الأوّل : فإنّما يتم بإضمار زائد ، وأمّا الثاني : فيوجب دخول التخصيص في الآية الكريمة وذلك لأنّ شهود الشّهر حاصل في حقّ الصبيّ والمجنون والمسافر ، مع أنّه لم يجب على واحد منهم الصّوم إلّا أنا بيّنا في « أصول الفقه » أنه متى وقع التعارض بين التخصيص والإضمار ، فالتخصيص أولى ، وأيضا ، فلأنّا على القول الأول ، لما التزمنا الإضمار لا بدّ أيضا من التزام التّخصيص ؛ لأنّ الصبيّ والمجنون والمريض كلّ واحد منهم شهد الشّهر مع أنه لا يجب عليهم الصّوم . فالقول الأول : لا يتمشى إلّا مع التزام الإضمار والتّخصيص . والقول الثاني : يتمشى بمجرّد التخصيص ؛ فكان القول الثاني أولى ، هذا ما عندي فيه ، مع أن أكثر المحقّقين كالواحديّ وصاحب الكشّاف ذهبوا إلى الأوّل . فصل [ « فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ » ] قال ابن الخطيب « 2 » قوله تعالى : « فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ » جملة مركّبة من شرط وجزاء ، فالشّرط ه و « من شهد منكم الشهر » ، والجزاء هو الأمر بالصّوم ، وما لم يوجد الشرط بتمامه ، لم يترتّب عليه الجزاء ، والشهر اسم للزمان المخصوص من أوّله إلى آخره ، وشهود الشّهر إنما يحصل عند الجزء الأخير من الشّهر ، فظاهر الآية الكريمة يقتضي أنّ عند شهود الجزء الأخير من الشّهر يجب عليه صوم كل الشهر ، وهذا محال ؛ لأنه يقتضي إيقاع الفعل في آخر الزّمان المنقضي ؛ وهو ممتنع ، وبهذا الدليل علمنا أنه لا يمكن إجراء هذه الآية على ظاهرها ، وأنه لا بدّ من صرفها إلى التأويل ، وطريقه : أن يحمل لفظ الشهر على جزء من أجزاء الشهر ؛ فيصير تقديره : من شهد جزءا من أجزاء
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 75 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 76 .