عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

245

اللباب في علوم الكتاب

خنزير ، أو شيء من المعاصي ، فإنه لا يجوز إمضاؤه ، ويجوز تبديله . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 182 ] فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 182 ) يجوز في « من » الوجهان الجائزان في « من » قبلها ، والفاء في « فلا إثم » هي جواب شرط ، أو الدّاخلة في الخبر . و « من موص » يجوز فيها ثلاثة أوجه : أحدها : أن تكون متعلّقة ب « خاف » على أنها لابتداء الغاية . الثاني : أن تتعلّق بمحذوف على أنها حال من « جنفا » ، قدمت عليه ؛ لأنها كانت في الأصل صفة له ، فلما تقدّمت ، نصبت حالا ، ونظيره : « أخذت من زيد مالا » ، إن شئت ، علّقت « من زيد » ب « أخذت » ، وإن شئت ، جعلته حالا من « مالا » ؛ لأنه صفته في الأصل . الثالث : أن تكون لبيان جنس الجانفين ، وتتعلّق أيضا ب « خاف » فعلى القولين الأولين : لا يكون الجانف من الموصين ، بل غيرهم ، وعلى الثالث : يكون من الموصين ، وقرأ أبو بكر « 1 » ، وحمزة والكسائي ، ويعقوب « موصّ » بتشديد الصّاد ؛ كقوله : ما وَصَّى بِهِ نُوحاً [ الشورى : 13 ] و وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ [ لقمان : 14 ] والباقون بتخفيفها ، وهما لغتان ؛ من « أوصى » ، و « وصّى » ؛ كما قدّمنا ، إلا أن حمزة ، والكسائيّ ، وأبا بكر من جملة من قرأ وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ [ البقرة : 132 ] ونافعا ، وابن عامر يقرءان « أوصى » بالهمزة ، فلو لم تكن القراءة سنّة متبعة لا تجوز بالرّأي ، لكان قياس قراءة ابن كثير ، وأبي عمرو ، وحفص هناك : « ووصّى » بالتضعيف - أن يقرءوا هنا « موصّ » بالتّضعيف أيضا ، وأمّا نافع ، وابن عامر ، فإنهما قرءا هنا : « موص » مخفّفا ؛ على قياس قراءتهما هناك ، و « أوصى » على « أفعل » وكذلك حمزة ، والكسائيّ ، وأبو بكر قرءوا : « ووصّى » - هناك بالتضعيف ؛ على القياس . و « الخوف » هنا بمعنى الخشية ، وهو الأصل . فإن قيل : الخوف إنما يصحّ في أمر سيصير ، والوصيّة وقعت ، فكيف يمكن تعليقها بالخوف ؟ ! والجواب من وجوه : أحدها : أن المراد منه أن المصلح ، إذا شاهد الموصي ، يوصي ، وظهر منه أمارة

--> ( 1 ) انظر : السبعة 175 - 176 ، والحجة 2 / 271 ، وحجة القراءات 124 ، وشرح الطيبة 4 / 91 ، والعنوان 73 ، وشرح شعلة 284 ، وإتحاف 1 / 430 .