عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
246
اللباب في علوم الكتاب
الحيف ، عن طريق الحقّ مع ضرب من الجهالة ، أو مع التأويل ، أو شاهد من التّعمّد في الميل ، فعند ظهور الأمارة قبل تحقيق الوصيّة ، يأخذ في الإصلاح ؛ لأنّ إصلاح الأمر عند ظهور أمارات فساده ، وقبل تقرير فساده يكون أسهل ؛ فلذلك علّقه - تعالى - بالخوف دون العلم . الثاني : الموصي له الرجوع عن الوصيّة ، وفسخها ، وتغييرها بالزّيادة والنّقصان ، ما لم يمت ، وإذا كان كذلك ، لم يصر الجنف والإثم معلومين ؛ فلذلك علّقه بالخوف . الثالث : يجوز أن يصلح الورثة والموصى له بعد الموت على ترك الميل والجنف ، وإذا كان ذلك منتظرا ، لم يكن الجنف ، والإثم مستقرّا ؛ فصحّ تعليقه بالخوف . وقيل : [ الخوف ] بمعنى العلم ، وهو مجاز ، والعلاقة بينهما هو أنّ الإنسان لا يخاف شيئا ؛ حتى يعلم أنه ممّا يخاف منه ، فهو من باب التعبير عن السّبب بالمسبّب ؛ ومن مجيء الخوف بمعنى العلم قوله تعالى : إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ [ البقرة : 229 ] ، وقول أبي محجن الثقفيّ : [ الطويل ] 923 - إذا متّ فادفنّي إلى جنب كرمة * تروّي عظامي في الممات عروقها ولا تدفننّي في الفلاة فإنّني * أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها « 1 » فعلى هذا يكون معنى الآية الكريمة أن الميّت إذا أخطأ في وصيّته ، أو جنف فيها متعمّدا ، فلا حرج على من علم ذلك أن يغيّره ، بعد موته ، قاله ابن عباس ، وقتادة ، والرّبيع « 2 » ، وأصل « خاف » « خوف » تحرّكت الواو وانفتح ما قبلها ؛ فقلبت ألفا ، وأهل الكوفة يميلون هذه الألف . و « الجنف » فيه قولان : أحدهما : الميل ؛ قال الأعشى : [ الطويل ] 924 - تجانف عن حجر اليمامة ناقتي * وما قصدت من أهلها لسوائكا « 3 » وقال آخر : [ الوافر ]
--> ( 1 ) البيتان في : ديوانه ص 48 ، والأزهية ص 67 ، وخزانة الأدب 8 / 398 ، 402 ، والدرر 4 / 57 ، وشرح شواهد المغني 1 / 101 ، والشعر والشعراء 1 / 431 ، ولسان العرب ( فنع ) ، والمقاصد النحوية 4 / 388 ، وهمع الهوامع 2 / 2 ، وشرح الأشموني 3 / 552 ، ومغني اللبيب 1 / 30 ، والدر المصون 1 / 458 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 57 . ( 3 ) ينظر ديوانه ص 139 ، وخزانة الأدب 3 / 435 ، 438 ، 441 ، والدرر 3 / 94 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 137 ، والكتاب 1 / 32 ، 408 ، ولسان العرب ( جنف ) ، ( سوا ) والأضداد ص 44 ، 198 ، والأشباه والنظائر 5 / 164 ، والمحتسب 2 / 150 ، والمقتضب 4 / 349 ، وهمع الهوامع 1 / 202 ، والدر المصون 1 / 458 .