عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
243
اللباب في علوم الكتاب
وقال قوم : نسخت بدليل قياسيّ ، وهو أن نقول : هذه الوصية ، لو كانت واجبة ، لكانت ، إذا لم توجد هذه الوصيّة ، يجب ألّا يسقط حقّ هؤلاء الأقربين ، وقد رأيناهم سقطوا لقوله تعالى في آية المواريث مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ [ النساء : 12 ] فظاهره يقتضي أنه إذا لم يكن وصيّة أو دين ، فالمال أجمع للوارث . ولقائل أن يقول : نسخ القرآن بالقياس غير جائز . قال القرطبيّ « 1 » : قوله تعالى « حقّا » أي : ثابتا ثبوت نظر ، وتحصين ، لا ثبوت فرض ووجوب ؛ بدليل قوله : « عَلَى الْمُتَّقِينَ » وهذا يدل على كونه مندوبا ؛ لأنه لو كان فرضا ، لكان على جميع المسلمين ، فلما خصّ اللّه تعالى المتّقي ، وهو من يخاف التّقصير ، دلّ على أنه غير لازم لغيره . فصل « في حقّ من نسخت الآية » قال أكثر المفسرين إنها نسخت في حقّ من يرث ومن لا يرث . وقال بعض المفسّرين من الفقهاء : إنّها نسخت في حقّ من يرث ، وثابتة في حقّ من لا يرث ، وهو مذهب ابن عبّاس والحسن ، ومسروق ، وطاوس ، والضّحّاك ، ومسلم بن يسار ، والعلاء بن زياد . قال طاوس : إن من أوصى للأجانب ، وترك الأقارب ، نزع منهم ، وردّ إلى الأقارب ؛ لوجوب الوصيّة عند هؤلاء ، والباقي للقريب الذي ليس بوارث . واستدلّوا بأنّ هذه الآية دالّة على وجوب الوصيّة للقريب ، سواء كان وارثا ، أو غير وارث ، ترك العمل به في حقّ القريب الوارث ، إما بآية المواريث ، أو بقوله - عليه الصلاة والسلام - : « لا وصيّة لوارث » « 2 » ، وهاهنا الإجماع غير موجود ، لأن الخلاف فيه قديم وحديث ؛ فوجب أن تبقى الآية دالّة على وجوب الوصيّة للقريب الذي ليس بوارث . واستدلوا أيضا بقوله - عليه السلام - : « ما حقّ امرئ مسلم له ملك يبيت ليلتين ، إلّا ووصيّته مكتوبة عنده » « 3 » وقد أجمعنا على أن الوصيّة غير واجبة لغير الأقارب ؛ فوجب أن تكون هذه الوصيّة واجبة للأقارب ، فأمّا الجمهور ، فأجود ما استدلّوا به على أنها منسوخة في حقّ الكلّ قوله : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ [ النساء : 12 ] وقد ذكرنا تقريره . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 181 ] فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 181 ) يجوز في « من » أن تكون شرطيّة وموصولة ، والفاء : إمّا واجبة ، إن كانت شرطا ، وإمّا جائزة ، إن كانت موصولة ، والهاء في « بدّله » يجوز أن تعود على الوصيّة ، وإن كان
--> ( 1 ) ينظر : تفسير القرطبي 2 / 179 . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) تقدم .