عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
242
اللباب في علوم الكتاب
خبر واحد ، إلّا أن الأمّة تلقّته بالقبول ، فالتحق بالمتواتر . فالجواب : سلّمنا أن الأمّة تلقّته بالقبول ، لكن على وجه الظّنّ ، أو على وجه القطع ؟ فإن كان على وجه الظّنّ ، فمسلّم إلّا أن ذلك يكون إجماعا منهم على أنه خبر واحد ، فلا يجوز نسخ القرآن به ، وإن كان على وجه القطع فممنوع ؛ لأنهم لو قطعوا بصحّته ، مع أنه من باب الآحاد ، لكانوا قد أجمعوا على الخطأ ، وإنه غير جائز . وقال آخرون : إنها نسخت بالإجماع ، والإجماع يجوز أن ينسخ به القرآن ؛ لأن الإجماع يدلّ على أن الدّليل النّاسخ كان موجودا إلّا أنهم اكتفوا بالإجماع عن ذكر ذلك الدّليل ، ولقائل أن يقول : لمّا ثبت أن في الأمة من أنكر وقوع هذا النسخ ؛ فحينئذ : لم يثبت الإجماع .
--> - « ثانيا » : أن النسخ كالتخصيص من حيث البيان ، وبما أن التخصيص جائز بخبر الواحد ، فكذلك النسخ . « ثالثا » أن نسخ القرآن بخبر الواحد جائز ؛ كما في قوله تعالى : « قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ » فإنه نسخ بما روي أنه صلى اللّه عليه وسلم « نهى عن أكل كلّ ذي ناب من السّباع » وهو خبر آحاد ، وإذا جاز نسخ القرآن به - فالخبر أجدر . « الجواب عن هذه الأدلّة » : « أما عن الأول » : فلأنّه خبر المنادي كان محفوفا بالقرائن ؛ من ندائه بحضرة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - على رؤوس الأشهاد في مثل هذه الواقعة العظيمة ، وهذه قرينة صادقة عادة فيفيد القطع ، فيجب المصير إليه ؛ لما علم من امتناع ترك القاطع بالمظنون ، وكلامنا في الخبر الغير المحفوف . « وأما عن الثاني » : فيمنع أن يكون النسخ كالتخصيص ؛ لأن التخصيص بيان وجمع للدّليلين ، والنسخ إبطال ورفع ، على أن هذا الدليل لو سلّمناه ، فغاية ما يلزم منه الجواز لا الوقوع ، والنّزاع إنما هو في الثاني دون الأول . « وأما عن الثالث » : فلا نسخ ؛ إذ المعنى في الآية : لا أجد الآن ؛ لأن المضارع ظاهر في الحال ، ولو سلّم الارتفاع ، فيكون للإباحة الأصلية ؛ لأن عدم الوجدان يوجب إباحة أصلية ، ورفعها ليس بنسخ واحتجّ النافون بالمعقول والمنقول : « أما المعقول » : فلأن الآحاد لا يقوى على رفع المتواتر ؛ لأن الأول ظني ، والثاني قطعي ، وحيث لا مساواة فلا نسخ ؛ لعدم التعارض . « وأما المنقول » : فما روي عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ؛ أنه قال : « لا ندع كتاب ربّنا وسنّة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت » وأيضا : ما روي عن علي رضي اللّه عنه ؛ أنه قال : « لا ندع كتاب ربّنا وسنة نبينا بقول أعرابي بوّال على عقبيه » ووجه الاحتجاج بقول هذين الصاحبين : أنّهما لم يعملا بخبر الواحد ، ولم يحكما به على القرآن ، وما ثبت من السّنّة تواترا . ينظر : البحر المحيط للزركشي 4 / 109 ، البرهان لإمام الحرمين 2 / 1307 ، سلاسل الذهب للزركشي 302 ، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 3 / 139 ، نهاية السول للإسنوي 2 / 578 ، منهاج العقول للبدخشي 2 / 252 ، غاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري 88 ، التحصيل من المحصول للأرموي 2 / 23 ، المنخول للغزالي 292 ، المستصفى له 124 ، الآيات البينات لابن قاسم العبادي 3 / 139 ، حاشية العطار على جمع الجوامع 2 / 111 ، المعتمد لأبي الحسين 1 / 392 ، إحكام الفصول في إحكام الأصول للباجي 418 ، الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم 4 / 505 ، التحرير لابن الهمام 288 ، شرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني 2 / 36 ، ميزان الأصول للسمرقندي 2 / 1006 ، التقرير والتحبير لابن أمير الحاج 3 / 60 .