عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
195
اللباب في علوم الكتاب
وروي أنّه لمّا حوّلت القبلة ، كثر الخوض في نسخها ، كأنه لا يراعى بطاعة اللّه تعالى إلّا الاستقبال ؛ فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ؛ كأنه تبارك وتعالى قال : « ما هذا الخوض الشديد في أمر القبلة مع الإعراض عن كل أركان الدين » . قوله : « وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ » في هذه الآية خمسة أوجه : أحدها : أن « البرّ » اسم فاعل من : برّ يبرّ ، فهو « برّ » والأصل : « برر » بكسر الراء الأولى بزنة « فطن » فلمّا أريد الإدغام ، نقلت كسرة الرّاء إلى الباء بعد سكبها حركتها ؛ فعلى هذه القراءة : لا يحتاج الكلام إلى حذف وتأويل ؛ لأنّ البرّ من صفات الأعيان ؛ كأنه قيل : « ولكنّ الشخص البرّ من آمن » . الثاني : أنّ في الكلام حذف مضاف من الأوّل ، تقديره : « ولكنّ ذا البرّ من آمن » ؛ كقوله تعالى : وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى [ طه : 132 ] أي : لذي التقوى ؛ وقوله هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ [ آل عمران : 163 ] أي : ذوو درجات ، قاله الزّجّاج « 1 » . الثالث : أن يكون الحذف من الثاني ، أي : « ولكنّ البرّ برّ من آمن » وهذا تخريج سيبويه « 2 » ، واختياره ، وإنّما اختاره ؛ لأنّ السابق ، إنّما هو نفي كون البرّ هو تولية الوجه قبل المشرق والمغرب ، فالذي يستدرك ، إنّما هو من جنس ما ينفى ؛ ونظير ذلك : « ليس الكرم أن تبذل درهما ، ولكنّ الكرم بذل الآلاف » ولا يناسب : « ولكنّ الكريم من يبذل الآلاف » وحذف المضاف كثير في الكلام ، كقوله : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [ البقرة : 93 ] ، أي : حبّ العجل ، ويقولون : الجود حاتم ، والشعر زهير ، والشجاعة عنترة ، [ وقال الشاعر : [ الطويل ] 912 - . . . * فإنّما هي إقبال وإدبار « 3 » أي : ذات إقبال ، وذات إدبار . وقال النّابغة : [ المتقارب ] 913 - وكيف نواصل من أصبحت * خلالته كأبي مرحب « 4 »
--> ( 1 ) ينظر : تفسير القرطبي 2 / 160 . ( 2 ) ينظر : الكتاب 1 / 108 . ( 3 ) البيت للخنساء . ينظر : ديوانها ص 383 والأشباه والنظائر 1 / 198 وخزانة الأدب 1 / 431 ، 2 / 34 وشرح أبيات سيبويه 1 / 282 والشعر والشعراء 1 / 354 والكتاب 1 / 337 ولسان العرب ( رهط ) ، ( قبل ) ، ( سوا ) والمقتضب 4 / 305 والمنصف 1 / 197 وشرح الأشموني 1 / 213 وشرح المفصل 1 / 115 والمحتسب 2 / 43 ، والدر المصون 2 / 648 . ( 4 ) البيت للنابغة الجعدي ينظر ديوانه ص 26 ، والكتاب 1 / 215 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 94 ، 354 ، ولسان العرب ( رحب ) ، ( شرب ) ، ( برر ) ونوادر أبي زيد ص 189 ، وينظر الأشباه والنظائر 8 / 242 ، وإصلاح المنطق ص 112 ، وأمالي المرتضى 1 / 202 ، والإنصاف ص 62 ، ومجالس ثعلب ص 77 ، والمحتسب 2 / 264 ، والمقتضب 3 / 231 .