عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
196
اللباب في علوم الكتاب
أي : كخلالة أبي مرحب ] ، وهذا اختيار الفرّاء ، والزّجّاج ، وقطرب . وقال أبو عليّ : ومثل هذه الآية الكريمة قوله : أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ ، ثم قال : كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ [ التوبة : 19 ] ؛ ليقع التمثيل بين مصدرين ، أو بين فاعلين ؛ إذ لا يقع التمثيل بين مصدر ، وفاعل . الرابع : أن يطلق المصدر على الشّخص مبالغة ؛ نحو : رجل عدل . ويحكى عن المبرّد : « لو كنت ممّن يقرأ القرآن ، لقرأت « ولكنّ البرّ » بفتح الباء » وإنّما قال ذلك ؛ لأن « البرّ » اسم فاعل ، نقول برّ يبرّ ، فهو بارّ ، وبرّ ، فتارة تأتي به على فاعل ، وتارة على فعل . الخامس : أن المصدر وقع موقع اسم الفاعل ، نحو : رجل عدل ، أي : عادل ، كما قد يقع اسم الفاعل موقعه ، نحو : أقائما ، وقد قعد الناس ؛ في قول ، هذا رأي الكوفيين ، والأولى فيه ادّعاء أنه محذوف من فاعل ، وأن أصله : بارّ ، فجعل « برّا » ، وأصله ك « سرّ » ، و « ربّ » أصله « رابّ » ، وقد تقدم . وجعل الفراء « 1 » « من آمن » واقعا موقع الإيمان ، فأوقع اسم الشخص على المعنى كعكسه ؛ كأنه قال : « ولكنّ البرّ الإيمان باللّه » قال : والعرب تجعل الاسم خبرا للفعل ؛ وأنشد في ذلك : [ الطويل ] 914 - لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللّحى * ولكنّما الفتيان كلّ فتى ندي « 2 » جعل نبات اللحية خبرا للفتيان ، والمعنى : لعمرك ما الفتوّة أن تنبت اللّحى . وقرأ نافع « 3 » ، وابن عامر : « ولكن البرّ » هنا وفيما بعد بتخفيف « لكن » وبرفع « البرّ » ، والباقون بالتّشديد ، والنّصب ، وهما واضحتان ممّا تقدّم في قوله : وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا [ البقرة : 102 ] . وقرىء « 4 » : « ولكنّ البارّ » بالألف ، وهي تقوّي أنّ « البرّ » بالكسر المراد به اسم الفاعل ، لا المصدر . قال أبو عبيدة : « البرّ » هاهنا بمعنى البارّ ، كقوله : وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى [ طه : 132 ] أي : للمتّقين ، ومنه قوله تعالى : إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً [ الملك : 30 ] أي : غائرا ، وقالت الخنساء : [ البسيط ]
--> ( 1 ) ينظر : معاني القرآن للفراء 1 / 104 . ( 2 ) ينظر : شرح شواهد المغني 2 / 964 ، ومغني اللبيب 2 / 691 ، ومعاني القرآن للفراء : 1 / 105 ، والدر المصون 1 / 447 . ( 3 ) انظر : حجة القراءات 123 ، وشرح شعلة 284 ، والعنوان 73 ، وإتحاف فضلاء البشر 1 / 429 . ( 4 ) انظر : الكشاف 1 / 218 .