عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
194
اللباب في علوم الكتاب
وثالثها : الإيمان بالملائكة ، واليهود أخلّوا بذلك ؛ حيث أظهروا عداوة جبريل . ورابعها : الإيمان بكتب اللّه تعالى ، واليهود أخلّوا بذلك ، لأن مع قيام الدّلائل على أنّ القرآن كتاب اللّه تعالى ردّوه ولم يقبلوه ؛ قال تعالى : أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [ البقرة : 85 ] . وخامسها : الإيمان بالنّبيّين ، واليهود أخلّوا بذلك ؛ حيث قتلوا الأنبياء ؛ على ما قال تعالى : وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ [ البقرة : 61 ] ، وطعنوا في نبوّة محمّد - صلى اللّه عليه وسلم - . وسادسها : بذل الأموال على وفق أمر اللّه تعالى ، واليهود أخلّوا بذلك ؛ لأنّهم يلقون الشّبهات ؛ لطلب المال القليل ؛ قال تبارك وتعالى : وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا . * وسابعها : إقامة الصّلاة ، وإيتاء الزّكاة ، واليهود كانوا يمنعون النّاس منها . وثامنها : الوفاء بالعهد ، واليهود نقضوا العهد ؛ قال تبارك وتعالى : وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [ البقرة : 40 ] . وتاسعها : قوله : « فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ ، وَحِينَ الْبَأْسِ » والمراد بذلك المحافظة على الجهاد ، واليهود أخلّوا بذلك ؛ حيث كانوا في غاية الخوف ، والجبن ؛ قال تعالى : لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [ الحشر : 14 ] . فإن قيل : نفى تبارك وتعالى أن يكون التوجّه إلى القبلة برّا ، ثم حكم بأنّ البرّ بمجموع أمور : أحدها : الصّلوات ، ولا بدّ فيها من الاستقبال ، فيلزم التناقض . فالجواب : أنّ المفسّرين اختلفوا على أقوال « 1 » : منها : أنّ قوله تعالى : « لَيْسَ الْبِرَّ » نفي لكمال البرّ وليس نفيا لأصله ؛ كأنه قال : « ليس البرّ كلّه هو هذا » ؛ فإنّ البرّ اسم من أسماء الخصال الحميدة ، واستقبال القبلة واحد منها ، فلا يكون ذلك تمام البرّ . الثاني : أن يكون هذا نفيا لأصل كونه برّا ؛ لأن استقبالهم للمشرق والمغرب كان خطأ في وقت النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - وحينما نسخ اللّه تبارك وتعالى ذلك ؛ بل كان ذلك ممّا لا يجوز ؛ لأنّه عمل بمنسوخ قد نهى اللّه عنه ، وما كان كذلك ، فهو لا يعدّ من البرّ . الثالث : أنّ استقبال القبلة لا يكون برّا ؛ إذ البرّ يتقدّمه معرفة اللّه تعالى ، وإنّما يكون برّا ، إذا أتى بها مع الإيمان باللّه ورسوله ، فالإتيان بها دون هذا الشّرط ، لا يكون من أفعال البرّ ، إلّا إذا أتي بها مع شرطه ، كما أنّ السّجدة لا تكون من أفعال البرّ ، إلّا إذا أتى بها مع الإيمان باللّه ورسوله .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 33 .