عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

193

اللباب في علوم الكتاب

وعن السّادس : أن تغير البناء وإن كان على خلاف الأصل ، لكنّه يجب المصير إليه ؛ لدلالة العمل بما ذكر ، وذكروا وجوها أخر مخالفة للنّحو . قوله : « قبل » منصوب على الظّرف المكانيّ بقوله : « تولّوا » ، وحقيقة قولك : « زيد قبلك » أي في المكان الذّي يقابلك فيه وقد يتّسع فيه ، فيكون بمعنى « عند » ؛ نحو قولك : « قبل زيد دين » ، أي « عنده دين » . فصل في اختلافهم في عموم هذا الخطاب وخصوصه اختلفوا : هل هذا الخطاب عامّ ، أو خاصّ ؟ فقال قتادة ، ومقاتل بن حيّان : لمّا شددوا أهل الكتاب بالثبات على التوجّه نحو بيت المقدس ، قال تعالى : « لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا » هذه الطريقة ، « لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ » . وقال مجاهد وعطاء والضّحّاك - رضي اللّه عنهم - : المراد مخاطبة المؤمنين ، لمّا ظنّوا هذا الكلام . وقال بعضهم : هو خطاب للكلّ ؛ لأنّه لما حوّلت القبلة ، حصل للمؤمنين الاغتباط بهذه القبلة ، وحصل منهم التشديد في هذه القبلة ؛ حتّى ظنّوا أنّه الغرض الأكبر في الدّين ، فبعثهم اللّه تعالى بهذا الخطاب استيفاء جميع الطاعات والعبادات ، وليس البرّ بأن تولّوا وجوهكم شرقا وغربا ، وإنّما البرّ كيت ، وكيت ، وكيت ، فكأنّه تبارك وتعالى قال : ليس البرّ المطلوب هو أمر القبلة ، بل البرّ المطلوب هذه الخصال الّتي عدّدتّها . فصل في المشار إليه بالضمير قال القفّال « 1 » : والذي عندنا أنّه إشارة إلى السّفهاء الذين طعنوا في المسلمين ، وقالوا : ما ولّاهم عن قبلتهم الّتي كانوا عليها ؟ مع أنّ اليهود كانوا يستقبلون المغرب ، والنّصارى كانوا يستقبلون المشرق ، فقال اللّه تعالى : إنّ صفة البرّ لا تحصل باستقبال المشرق والمغرب ، بل البرّ يحصل بأمور . منها : الإيمان باللّه تعالى ، وأهل الكتاب أخلّوا بذلك ، فأمّا اليهود ، فلقولهم بالتّجسيم ، ولقولهم بأنّ عزيرا ابن اللّه ، وأمّا النصارى ؛ فلقولهم : المسيح ابن اللّه ، واليهود وصفوا اللّه تعالى بالبخل . وثانيها : الإيمان باليوم الآخر ، واليهود أخلّوا بذلك ، وقالوا : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [ البقرة : 80 ] والنصارى أنكروا المعاد الجسمانيّ ، وكلّ ذلك تكذيب باليوم الآخر .

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 32 .