عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
19
اللباب في علوم الكتاب
- تعالى - جعلهم عدولا في الدنيا لأجل أن يكونوا شهداء ، وذلك يقتضي أن يكونوا شهداء في الدنيا . وإنما قلنا : إنه - تعالى - جعلهم عدولا في الدنيا ؛ لأنه - تعالى - [ قال : « وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً » وهذا إخبار عن الماضي ، فلا أقل من حصوله في الحال ، وإنما قلنا : إن ذلك يقتضي صيرورتهم شهودا في الدنيا ؛ لأنه تعالى ] « 1 » قال : « وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ » رتب كونهم شهداء على صيرورتهم وسطا ترتيب الجزاء على الشرط ، فإذا حصل وصف كونهم وسطا في الدنيا [ وجب أن يحصل وصف كونهم شهداء في الدنيا ] « 2 » . فإن قيل : تحمّل الشهادة لا يحصل إلا في الدنيا ، ومتحمّل الشهادة قد يسمى شاهدا ، وإن كان الأداء لا يحصل إلا في القيامة . قلنا : الشهادة المعتبرة في الآية لا التحمل ، بدليل أنه - تعالى - اعتبر العدالة في هذه الشهادة ، والشهادة التي يعتبر فيها العدالة ، هي الأداء لا التحمّل ، فثبت أن الآية تقتضي كون الأمة مؤدّين للشهادة في الدنيا ، وذلك يقتضي أن يكون مجموع الأمة إذا أخبروا عن شيء أن يكون قولهم حجّة ، ولا معنى لقولنا : الإجماع حجة إلا هذا ، فثبت أن الآية تدلّ على أن الإجماع حجّة [ من هذا الوجه أيضا ] « 3 » . واعلم أن هذا الدليل لا ينافي كونهم شهودا في القيامة أيضا على الوجه الذي وردت الأخبار به ، ويؤيد ذلك قوله تعالى : « وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً » يعني مؤديا ومبينا ، ثم لا يمتنع أن تحصل مع ذلك لهم الشّهادة في الآخرة ، فيجري الواقع منهم في الدنيا مجرى التحمّل ، لأنهم إذا أثبتوا الحقّ عرفوا عنده من [ القابل ومن الراد ] « 4 » ، ثم يشهدون بذلك يوم القيامة [ على أن الشّاهد على العقود يعرف الذي تم ، والذي لم يتم ، ثم يشهدون بذلك عند الحاكم . قال القرطبي رحمه اللّه : معنى قوله تعالى : « وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً » أي : بأعمالكم يوم القيامة . وقيل : « عليكم » بمعنى لكم أي : يشهد لكم بالإيمان . وقيل : يشهد عليكم بالتبليغ لكم ] « 5 » . وقوله تعالى : « وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ . . . » في هذه الآية خمسة أوجه :
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) في أ : المحق من المبطل . ( 5 ) سقط في ب .