عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

165

اللباب في علوم الكتاب

فهم كلام سيبويه ، فقائل : هو تفسير معنى ، وقيل : تفسير إعراب ، فيكون في الكلام حذفان : حذف من الأوّل ، وهو حذف « داعيهم » ، وقد أثبت نظيره في الثاني ، وحذف من الثّاني ، وهو حذف المنعوق ، وقد أثبت نظيره في الأول ؛ فشبّه داعي الكفّار براعي الغنم في مخاطبته من لا يفهم عنه ، وشبّه الكفّار بالغنم في كونهم لا يسمعون مما دعوا إليه ، إلّا أصواتا لا يعرفون ما وراءها ، وفي هذا الوجه حذف كثير ؛ إذ فيه حذف معطوفين ؛ إذ التقدير الصناعيّ : « ومثل الّذين كفروا وداعيهم كمثل الذي ينعق بالمنعوق به » . وقد ذهب إليه جماعة ، منهم : أبو بكر بن طاهر « 1 » ، وابن خروف « 2 » ، والشّلوبين « 3 » ؛ قالوا : العرب تستحسن هذا ، وهو من بديع كلامها ؛ ومثله قوله : [ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [ النمل : 12 ] ] « 4 » تقديره : « وأدخل يدك في جيبك ، تدخل ، وأخرجها تخرج » ؛ فحذف « تدخل » ؛ لدلالة « تخرج » وحذف « وأخرجها » ؛ لدلالة « وأدخل » ، قالوا : ومثله قوله : 895 - وإنّي لتعروني لذكراك فترة * كما انتفض العصفور بلّله القطر « 5 » لم يرد أن يشبّه فترته بانتفاض العصفور حين بلّله القطر ؛ لأنّهما ضدّان ؛ إذ هما حركة وسكون ، ولكنّ تقديره : إنّي إذا ذكرتك ، عراني انتفاض ، ثمّ أفتر ؛ كما أن العصفور إذا بلّله القطر ، عراه فترة ، ثم ينتفض ، غير أنّ وجيب قلبه واضطرابه قبل الفترة ، وفترة العصفور قبل انتفاضه . وهذه الأقوال كلّها ، إنّما هي على القول بتشبيه مفرد بمفرد ، ومقابلة جزء من الكلام السّابق بجزء من الكلام المشبّه به . أمّا إذا كان التشبيه من باب تشبيه جملة بجملة ، فلا ينظر في ذلك إلى مقابلة الألفاظ المفردة ، بل ينظر إلى المعنى ، وإلى هذا نحا أبو القاسم الراغب ؛ قال الرّاغب : « فلمّا شبّه قصّة الكافرين في إعراضهم عن الدّاعي لهم إلى الحقّ ، بقصّة النّاعق قدّم ذكر النّاعق ؛ لينبني عليه ما يكون منه ، ومن المنعوق به » .

--> ( 1 ) محمد بن أحمد بن طاهر الأنصاري الإشبيلي أبو بكر المعروف بالحزب توفي سنة 580 ه . ينظر البغية : 1 / 28 . ( 2 ) علي بن محمد بن علي بن محمد نظام الدين أبو الحسن ابن خروف الأندلسي النحوي توفي سنة 609 ه . ينظر البغية : 2 / 203 . ( 3 ) عمر بن محمد بن عمر بن عبد اللّه الأستاذ أبو علي الإشبيلي الأزدي المعروف بالشلوبين - بفتح المعجمة واللام وسكون الواو وكسر الموحدة وبعدها تحتانية ونون - ومعناه بلغة أهل الأندلس الأبيض الأشقر . كان إمام عصره في العربية بلا مدافع توفي في العشر الأخير من صفر سنة خمس وأربعين وستمائة . ينظر البغية : 2 / 224 - 225 . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) تقدم برقم 421 .