عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
91
اللباب في علوم الكتاب
بخلاف الطيور المأكولة ، فإنها ليست مخالفة للعادة ، فإنها مألوفة الأكل . « كلوا » هذا على إضمار القول ، أي : وقلنا لهم : كلوا ، وإضمار القول كثير ، ومنه قوله تعالى : وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ [ الرعد : 23 ] أي : يقولون سلام ، وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا [ الزمر : 3 ] أي : يقولون : ما نعبدهم إلّا . فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ [ آل عمران : 106 ] أي : فيقال لهم : أكفرتم ، وتقدم الكلام في كل تصريفه . قوله : « مِنْ طَيِّباتِ » من : لابتداء الغاية ، أو للتبعيض . وقال : « أبو البقاء » : أو لبيان الجنس . والمفعول محذوف ، أي : كلوا شيئا من طيبات . وهذا ضعيف ؛ لأنه كيف يبين شيء ثم يحذف . قوله : « ما رَزَقْناكُمْ » يجوز في « ما » أن تكون بمعنى الّذي ، وما بعدها حاصلة لها ، والعائد محذوف ، أي : رزقناكموه ، وأن تكون نكرة موصوفة . فالجملة لا محلّ لها على الأول ، ومحلّها الجر على الثّاني ، والكلام في العائد كما تقدّم ، وأن تكون مصدرية ، والجملة صلتها ، ولم تحتج إلى عائد على ما عرف قبل ذلك ، ويكون هذا المصدر واقعا موقع المفعول ، أي : من طيبات مرزوقنا . قوله : « أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ » . « أنفسهم » مفعول مقدم ، و « يظلمون » في محل نصب خبر « كانوا » وقدّم المفعول إيذانا باختصاص الظّلم بهم ، وأنه لا يتعدّاهم . والاستدراك في « لكن » واضح ، ولا بدّ من حذف جملة قبل قوله : « وَما ظَلَمُونا » ، فقدره ابن عطية : فعصوا ، ولم يقابلوا النعم بالشكر . وقال « الزمخشري » : تقديره فظلمونا « 1 » بأن كفروا هذه النعم ، وما ظلمونا ، فاختصر الكلام بحذفه لدلالة « وَما ظَلَمُونا » عليه . فإن قيل : قوله : « وَما ظَلَمُونا » جملة خبرية ، فكيف عطفت على قوله : « كلوا » ، وهي جملة أمرية ؟ . فالجواب من وجهين : الأول : أن هذه جملة مستأنفة لا تعلّق لها بما قبلها . والثاني : أنّها معطوفة على الجملة القولية المحذوفة أي : وقيل لهم : كلوا من طيبات ما رزقناكم ، وما ظلمونا ، فيكون قد عطف جملة خبرية على خبريّة . و « الظلم » : وضع الشيء في غير موضعه .
--> ( 1 ) في ب : فظلموا .