عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

64

اللباب في علوم الكتاب

حتى يموت ، فهذا الأصل ، ثم جعل كل قتل تغريقا ، ومنه قول ذي الرمة : [ الطويل ] 485 - إذا غرّقت أرباضها ثني بكرة * بتيهاء لم تصبح رءوما سلوبها « 1 » والأرباض : الحبال . والبكرة : النّاقة . وثنيها : بطنها الثّاني ، وإنما لم تعطف على ولدها لما لحقها من التعب . قوله : وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ جملة من مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من « آلَ فِرْعَوْنَ » أي : وأنتم تنظرون إغراقكم ، والعامل « أغرقنا » ، ويجوز أن يكون حالا من مفعول « أنجيناكم » . والنّظر يحتمل أن يكون بالبصر ؛ لأنهم كانوا يبصرون بعضهم بعضا لقربهم ؛ وقيل : إن آل فرعون طغوا على الماء ، فنظروا إليهم . وأن يكون بالبصيرة والاعتبار . وقيل المعنى : وأنتم بحال من ينظر لو نظرتم ، ولذلك لم يذكر له مفعول . فصل في البحر الذي أغرق فيه فرعون وقومه قال بعض المفسرين : والبحر الذي أغرق اللّه فيه فرعون وقومه هو « نيل مصر » ، وقيل : بحر « قلزم » طرف من بحر « فارس » . وقال قتادة : بحر من وراء « مصر » يقال له : « إسافة » واختلفوا هل تفرق البحر عرضا أو طولا ؟ فقيل : إنه [ تفرق ] « 2 » عرضا وأن بني إسرائيل خرجوا إلى البرّ الذي كانوا فيه أولا . وهذا هو الظاهر وفيه جمع بين القولين ، فإنهم دخلوا فيه أولا عرضا ، ثم مشوا فيه طولا ، وخرجوا من برّ الطول ، وتبعهم فرعون فالتطم عليه البحر ، فغرق هو وجنوده ، وصار بنو إسرائيل في برّ الطول ، وإلا فأي من يقابل بر « القلزم » خرجوا إليه حتى ذهبوا إلى « الطّور » . ومن قال : إن البحر هو النيل فلا إشكال ؛ لأنهم كانوا في « مصر القديمة » ، وجاءوا إلى شاطىء النيل ، فانفرق لهم ، وخرجوا إلى برّ الشرق ، وذهبوا إلى « برية الطور » . فصل في نعم اللّه على موسى وقومه في تلك الواقعة اعلم أن هذه الواقعة تضمّنت نعما كثيرة في الدنيا والدين في حقّ موسى - عليه الصلاة والسلام - وبني إسرائيل . أما نعم الدنيا فهي أنهم لما وقعوا إلى ذلك المضيق ، ومن ورائهم فرعون وجنوده ،

--> ( 1 ) ينظر ديوانه : ( 1 / 701 ) ، إصلاح المنطق : ( 72 ) ، القرطبي : 1 / 389 ، والدر المصون : 1 / 222 . ( 2 ) في أ : الفرق المقابل لهم ، وقيل : لأنهم مشوا فيه ، وعلى هذا فيكون قد تفرّق . . .