عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
65
اللباب في علوم الكتاب
وقدّامهم البحر ، فإن توقّفوا أدركهم فرعون وأهلكهم ، وإن ساروا أغرقوا ، فلا خوف أعظم من ذلك ، ثم إن اللّه - تعالى - نجّاهم بغرق البحر ، فلا نعمة أعظم من ذلك ، وأيضا فإنهم شاهدوا هلاك أعدائهم ، وأورثهم أرضهم وديارهم ، وأموالهم ، وخلّصهم من أيديهم ، ولو أنه - تعالى - خلّص موسى وقومه من تلك الحالة ، وما أهلك فرعون لكان الخوف باقيا ؛ لأنهم ربّما اجتمعوا واحتالوا على من أذاهم بحيلة ، ولكن اللّه - تعالى - حسم عنهم مادة الخوف . وأما نعم الدّين فهي أن قوم موسى لما شاهدوا تلك المعجزة الباهرة زالت عن قلوبهم الشّكوك والشّبهات ، فإنّ دلالة مثل هذا المعجز على وجود الصّانع الحكيم ، وعلى صدق موسى تقرّب من العلم الضروري ، فكأنه - تعالى - رفع عنهم تحمّل النظر الدقيق ، والاستدلال ، وأيضا لما عاينوا ذلك صار داعيا لقوم فرعون إلى ترك تكذيب موسى ، والإقدام على تكذيب فرعون ، وأيضا أنهم عرفوا أنّ الأمور بيد اللّه ، وأنه لم يكن في الدنيا أكمل ما كان لفرعون ، ولا شدّة أكثر مما كانت لبني إسرائيل ، ثم إنّ اللّه - تعالى - في لحظة واحدة جعل العزيز ذليلا ، والذليل عزيزا ، وذلك يوجب انقطاع القلب عن علائق الدّنيا ، والإقبال بالكليّة على خدمة الخالق ، والتوكّل عليه في كل الأمور . فإن قيل : إن فرعون لما شاهد فلق البحر وكان عاقلا فلا بد وأن يعلم أن ذلك من فعل قادر عالم مخالف لسائر القادرين ، فكيف بقي على الكفر ؟ والجواب : لعلّه اعتقد أن ذلك أيضا السحر ، كما قال حين ألقى موسى عصاه ، وأخرج يده . يروى أن فرعون كان راكبا حصانا ، فلما أراد العبور في البحر خلف بني إسرائيل جفل الحصان ، فجاء جبريل على فرس أنثى فتقدّمهم فتبعه الحصان ، فلمّا اقتحموا البحر ، وميكائيل خلفهم يسوقهم حتى لم يبق منهم أحد ، وخرج جبريل وهم أولهم بالخروج أمر اللّه البحر فالتطم عليهم . واعلم أن هنا لطائف : أولها : أن كل نبي لأمّته نصيب مما أعطي نبيهم ، فموسى عليه الصّلاة والسلام لما نجّي من الغرق حين ألقي في اليمّ ، كذلك [ نجّيت ] أمته من الغرق . ثانيها : أن فرعون ادّعى العلو والربوبية ، فأغرق ونزل إلى الدّرك الأسفل . ثالثها : أنه لما ذبح أبناءهم ، والذبح هو إنهار الدم ، أغرقه اللّه في النّهر . فصل في فضل يوم عاشوراء روى مسلم عن ابن عباس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لما قدم « المدينة » ، فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء ، فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما هذا اليوم الذي تصومونه » فقالوا : هذا يوم