عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

504

اللباب في علوم الكتاب

قوله : « فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا » هذا في الصورة عن الموت ، وهو في الحقيقة عن كونهم على خلاف حال الإسلام إذا ماتوا كقولك : « لا تصلّ إلا وأنت خاشع » ، فنهيك له ليس عن الصلاة ، إنما هو عن ترك الخشوع في حال صلاته ، والنّكتة في إدخال حرف النهي على الصلاة ، وهي غير منهي عنها هي إظهار أنّ الصلاة التي لا خشوع فيها كلا صلاة ، كأنه قال : أنهاك عنها إذا لم تصلّها على هذه الحالة ، وكذلك المعنى في الآية الكريمة إظهار أن موتهم لا على حال الثبات على الإسلام موت لا خير فيه ، وأن حقّ هذا الموت ألا يجعل فيهم . [ وعن الفضيل بن عياض أنه قال : « إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ » ، أي : مسلمون الظن ، أي محسنون الظن بربكم ، وروي عن جابر قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول : « لا يموتن أحد إلا وهو يحسن الظن باللّه تعالى » ] « 1 » . وأصل تموتن : تموتوننّ : النون الأولى علامة الرفع ، والثانية المشددة للتوكيد ، فاجتمع ثلاثة أمثال فحذفت نون الرفع ؛ لأن نون التوكيد أولى بالبقاء لدلالتها على معنى مستقلّ ، فالتقى ساكنان : الواو والنون الأولى المدغمة ، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين ، وبقيت الضمة تدلّ عليها ، وهكذا كل ما جاء في نظائره . قوله : « إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ » هذا استثناء مفرغ من الأحوال العامة ، و « أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ » مبتدأ وخبر في محلّ نصب على الحال ، كأنه قال تعالى : « لا تموتن على كل حال إلا على هذه الحال » ، والعامل فيها ما قبل إلا . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 133 ] أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 133 ) « أم » في أم هذه ثلاثة أقوال : أحدها - وهو المشهور - : أنها منقطعة والمنقطعة تقدر ب « بل » ، وهمزة الاستفهام . وبعضهم يقدرها ب « بل » وحدها ، ومعنى الإضراب انتقال من شيء إلى شيء لا إبطال . ومعنى الاستفهام الإنكار والتوبيخ فيؤول معناه إلى النفي ، أي : بل أكنتم شهداء يعني لم تكونوا . الثاني : أنها بمعنى همزة الاستفهام ، وهو قول ابن عطية والطبري ، إلا أنهما اختلفا في محلها . فإن ابن عطية قال : و « أم » تكون بمعنى ألف الاستفهام في صدر الكلام ، لغة يمانية .

--> ( 1 ) سقط في ب .