عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
495
اللباب في علوم الكتاب
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 130 ] وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 130 ) « من » اسم استفهام بمعنى الإنكار ، فهو نفي في المعنى ، لذلك جاءت بعده « إلّا » التي للإيجاب ، ومحلّه رفع بالابتداء . و « يرغب » خبره ، وفيه ضمير يعود عليه . والرغبة أصلها الطلب ، فإن تعدت ب « في » كانت بمعنى الإيثار له ، والاختيار نحو : رغبت في كذا ، وإن تعدت ب « عن » كانت بمعنى الزّهادة نحو : رغبت عنك . قوله : « إِلَّا مَنْ سَفِهَ » في « من » وجهان . أحدهما : أنها في محلّ رفع على البدل من الضمير في « يرغب » ، وهو المختار ؛ لأن الكلام غير موجب ، والكوفيون يجعلون هذا من باب العطف . فإذا قلت : ما قام القوم إلّا زيد ، ف « إلّا » عندهم حرف عطف ، وزيد معطوف على القوم ، وتحقيق هذا مذكور في كتب النحو . الثاني : أنها في محلّ نصب على الاستثناء ، و « من » يحتمل أن تكون موصولة ، وأن تكون نكرة موصوفة ، فالجملة بعدها لا محلّ لها على الأول ، ومحلها الرفع ، أو النصب على الثاني . قوله : « نَفْسَهُ » في نصبه سبعة أوجه : أحدها : وهو المختار أن يكون مفعولا به ؛ لأنه حكي أن « سفه » بكسر الفاء يتعدّى بنفسه كما يتعدى « سفّه » بفتح الفاء والتشديد ، وحكي عن أبي الخطّاب أنها لغة ، وهو اختيار الزّمخشري [ فإنه قال ] « 1 » : « سفه نفسه : امتهنها ، واستخف بها » ، ثم ذكر أوجها أخرى . ثم قال والوجه الأول ، وكفى شاهدا له بما جاء في الحديث : « الكبر أن تسفه الحقّ وتغمض النّاس » « 2 » .
--> ( 1 ) في أ : فإن قلت . ( 2 ) أخرجه مسلم في الصحيح 1 / 93 كتاب الإيمان ( 1 ) باب تحريم الكبر وبيانه ( 39 ) حديث رقم ( 147 / 91 ) . وأخرجه أبو داود في السنن 2 / 457 كتاب اللباس باب ما جاء في الكبر حديث رقم 4092 عن أبي هريرة . والترمذي في السنن حديث رقم 1999 . والبخاري في الأدب المفرد 556 - وأحمد في المسند 1 / 399 ، 2 / 157 ، 4 / 151 - والطبراني في الكبير 10 / 273 . وذكره ابن كثير في التفسير : 2 / 21 ، 7 / 356 . وابن حجر في فتح الباري 10 / 490 . والهيثمي في الزوائد 5 / 136 . والسيوطي في الدر المنثور 4 / 115 .