عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
467
اللباب في علوم الكتاب
تطهيره من الشرك ، ومن كل ما لا يليق به ، وذكر المفسّرون وجوها : أحدها : أن معنى « طهّرا بيتي » ابنياه وطهّراه من الشرك ، وأسّساه على التقوى . وثانيهما : عرّفا الناس أن بيتي طهرة لهم متى حجّوه ، وزاروه وأقاموا به . ومجازه : اجعلاه طاهرا عندهم ، كما يقال : فلان يطهر هذا ، وفلان ينجسه . وثالثها : ابنياه ، ولا تدعا أحدا من أهل الريب أو الشرك يزاحم الطّائفين فيه ، بل أقرّاه على طهارته من أهل الكفر والريب كما يقال : طهر اللّه الأرض من فلان ، وهذه التأويلات مبنيّة على أنه لم يكن هناك ما يوجب إيقاع تطهيره من الأوثان والشرك ، وهو كقوله تعالى : وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ [ البقرة : 25 ] فمعلوم أنهنّ لم يطهرن عن نجس ، بل خلقن طاهرات ، وكذا البيت المأمور بتطهيره خلق طاهرا . ورابعها : معناه : أن نظّفا بيتي من الأوثان والشرك والمعاصي ، ليقتدي الناس بكما في ذلك . وخامسها : قال بعضهم : إن موضع البيت قبل البناء كان يلقى فيه الجيف والأقذار ، فأمر اللّه - تعالى - إبراهيم - عليه الصّلاة والسّلام - بإزالة تلك القاذورات وبناء البيت هناك ، وهذا ضعيف ؛ لأن قبل البناء ما كان البيت موجودا ، فتطهير تلك العرصة لا يكون تطهيرا للبيت ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه سماه بيتا ، لأنه علم أن مآله إلى أن يصير بيتا لكنه مجاز . قوله تعالى : « لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ » . الطائفين : الدّائرين حوله والعاكفين المقيمين الملازمين . والرّكع » ، جمع « راكع » . والعكوف لغة : اللزوم واللبث ؛ قال : [ الوافر ] 781 - . . . * عليه الطّير ترقبه عكوفا « 1 » وقال : [ الرجز ] 782 - عكف النّبيط يلعبون الفنزجا « 2 »
--> ( 1 ) عجز بيت للمرار الأسدي وصواب إنشاده : أنا ابن التارك البكريّ بشر * عليه الطّير ترقبه وقوعا ينظر الكتاب : 1 / 182 ، الخزانة : 2 / 193 ، شرح المفصل لابن يعيش : 3 / 72 ، والدر المصون : 1 / 365 ، وليس ثمة من رواه « عكوفا » كما رواه المؤلف إلا ما ذكره صاحب الدر المصون . ( 2 ) البيت للعجاج . ينظر ديوانه : 2 / 24 ، القرطبي : 2 / 78 ، المحرر الوجيز : 1 / 208 ، الدر المصون : 1 / 366 .