عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
446
اللباب في علوم الكتاب
وقرأ ابن عباس « 1 » وأبو الشعثاء وأبو حنيفة بالعكس . قالوا : وتأويلها دعا ربه ، فسمى دعاءه ابتلاء مجازا ؛ لأن في الدعاء طلب استكشاف لما تجري به المقادير . والضمير المرفوع في « فأتمّهنّ » فيه قولان : أحدهما : أنه عائد على « ربّه » أي : فأكملهن . والثاني : أنه عائد على « إبراهيم » أي : عمل بهن ، ووفّى بهن . وهو إبراهيم بن تارح بن ناحور مولده ب « الشوس » من أرض « الأهواز » . وقيل : « بابل » ، وقيل : « كولى » وقيل « كسكر » وقيل : « حيران » . ونقله أبوه إلى « بابل » أرض نمرود بن كنعان ، وكان له أربع بنين : إسماعيل وإسحاق ومدين ومدائن ، ذكره السهيلي . فصل فيما دلت عليه السورة اعلم أنه - سبحانه وتعالى - لما شرح وجوه نعمه على بني إسرائيل شرح قبائحهم في أديانهم وأعمالهم ، وختم هذا الفصل بشرح النعم بقوله : يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [ البقرة : 122 ] بين نوعا آخر من البيان ، وهو أن ذكر قصة إبراهيم - عليه السلام - والحكمة فيه أن إبراهيم - عليه السلام - معترف بفضله جميع الطّوائف ، والمشركون أيضا معترفون بفضله متشرّفون بأنهم من أولاده ، ومن ساكني حرمه ، وخادمي بيته ، فذكر فضيلته لهم ؛ لأنها تدلّ على قبول محمد - صلّى اللّه عليه وسلم - من وجوه : أحدها : أنه تعالى لما أمره ببعض التكاليف ، فلما وفّى بها وخرج لا جرم نال النبوة والإمامة . وثانيها : أنه لما طلب الإمامة لذريته فقال تعالى : « لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ » فدلّ ذلك على أنّ من أراد هذا المنصب وجب عليه ترك اللّجاج والتعصّب للباطل . وثالثها : أن الحج « 2 » من خصائص دين محمد - صلّى اللّه عليه وسلم - فحكى اللّه - تعالى - ذلك عن
--> ( 1 ) انظر الشواذ : 17 ، والبحر المحيط : 1 / 545 ، والدر المصون : 1 / 360 . ( 2 ) الحجّ لغة : القصد ؛ ومنه : حجّ إلينا فلان ، أي : قدم . انظر لسان العرب : 2 / 778 ، المغرب : 103 ، المصباح المنير : 1 / 121 . واصطلاحا : عرفه الحنفيّة بأنه : قصد موقع مخصوص وهو البيت - ، بصفة مخصوصة ، في وقت مخصوص ، بشرائط مخصوصة . عرفه الشافعية بأنه : قصد الكعبة للنّسك . عرفه المالكية بأنه : هو وقوف بعرفة ليلة عاشر ذي الحجة ، وطواف بالبيت سبعا ، وسعي بين الصفا والمروة كذلك ، على وجه مخصوص بإحرام . -