عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

442

اللباب في علوم الكتاب

وقدره الزمخشري رحمه اللّه تعالى كان كيت وكيت ، فجعله ظرفا ، ولكن عامله مقدر . و « ابتلى » وما بعده في محلّ خفض بإضافة الظرف إليه . وأصل ابتلى : ابتلو ، فألفه عن « واو » ؛ لأنه « من بلا يبلو » أي ؛ اختبر . و « إبراهيم » مفعول مقدم ، وهو واجب التقديم عند جمهور النحاة ؛ لأنه متى اتّصل بالفاعل ضمير يعود على المفعول وجب تقديمه ، لئلا يعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة ، هذا هو المشهور « 1 » ، وما جاء على خلافه عدوه ضرورة .

--> ( 1 ) حاصل المواضع التي يتقدم فيها المفعول على وجوه ثلاثة : الأولى : - أن يكون المفعول ضميرا متصلا ، والفاعل اسما ظاهرا ، نحو : ( ضربك زيد ) فرارا من فصل الضمير مع إمكان اتصاله . الثانية : - أن يحصر الفاعل بإنما اتّفاقا ، نحو : ( إنما ضرب محمدا بكر ) . وإنما وجب توسّطه لما ذكرناه ، فإن مضروبية محمد مقصورة على بكر ، وضاربية بكر على الاحتمال ، فلو أخّر المفعول ، لانعكس المعنى ؛ ولذلك شاهد من الكتاب الكريم ، وهو قوله : ( إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ) فالعلماء فاعل محصور فيه الخشية ، فوجب تأخيره . وكذلك الحكم فيما إذا حصر الفاعل ب « إلّا » عند غير الكسائي ، نحو : ( ما ضرب عمرا إلّا زيد ) ؛ حملا على « إنما » ؛ طردا للباب على وتيرة واحدة . أما الكسائي : فيقول بجواز تقديم الفاعل المحصور ب « إلّا » ، مثل ما سبق عنه من إجازته تقديم المفعول المحصور ب « إلّا » ، حيث قدمت ( إلا ) صح المحصور ؛ واستدل لذلك بقول الشاعر . ما عاب إلا لئيم فعل ذي كرم * ولا جفا قطّ إلا جبأ بطلا فقد تقدم فيه الفاعل المحصور ب « إلّا » معنا في الموضعين ، والأصل : ما عاب فعل ذي كرم إلا لئيم ولا جفا بطلا إلا جبأ » . وبقول الآخر : فلم يدر إلا اللّه ما هيّجت لنا * أهلة أنآء الديار وشامها فقدم الفاعل المحصور ب « إلّا » على المفعول ، وهو ما هيجت والأصل : فلم يدر ما هيّجت لنا إلا اللّه . وهذا البيت لذي الرمة غيلان ، والصواب في ذكره ما سبق ، فمن إنشاده من ذكر « أهلة » بدل « عشية » ، والأهلة جمع هلال ؛ وهو ما تقوس وانحنى وأنآء جمع نؤي ؛ وهو الحفر حول الخباء أو الخيمة ، يدفع المطر ويصده عنها ، وشامها جمع شامة ؛ وهي الأثر الأسود في الأرحل . والجمهور على خلاف ما ذهب إليه الكسائي ؛ فهم يقولون : إن « ما هيجت » ليست مفعول الفعل المذكور ، بل لفعل مقدر ، تقديره : ( يرى ما هيجت لنا ) ، أي : ما أثارت ، و « أهلة » منصوب على الظرف مضافة إلى أنآء الديار . وقيل : إن أنآء جمع نأي ، وهو البعد ، والتقدير : أنآء أهل الديار فسمى أهل الديار ديارا تسمية للحال باسم المحل ، وشامها فاعل هيجت ، ويروى « أهلة وعشية » بالرفع ، فإن صحّ ، فيكون فاعل « هيجت » ، وعليه فينتصب وشامها على المفعولية . ويقول آخر : نبّئتهم عذّبوا بالنّار جارهم * وهل يعذّب إلّا اللّه بالنّار فقدم الفاعل المحصور ب « إلّا » على المجرور ب « الباء » ، وطوى ذكر المفعول ، و « هل » فيه بمعنى « ما » النافية ، والأصل : ( ما يعذب أحد أحدا بالنار إلّا اللّه ) . -