عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
443
اللباب في علوم الكتاب
وخالف أبو الفتح في ذلك وقال : « إن الفعل كما يطلب الفاعل يطلب المفعول ، فصار للفظ به شعور وطلب » . وقد أنشد ابن مالك أبياتا كثيرة تأخر فيها المفعول المتصل ضميره بالفاعل « 1 » ، منها : [ السريع ]
--> - « نبئتهم » مجهول بمعنى : أخبرتهم ، والتاء مفعوله الأول نائب الفاعل ، والثاني : الضمير المنصوب ، والثالث : جارهم ، و « هل » للنفي وإلّا بمعنى : غير ، أي : ما يعذب أحد بالنار غير اللّه ، والشاهد فيه ؛ فإن الكسائي احتج به على أن توسط المفعول ، وتأخير الفاعل لا يجب إذا كان الفاعل محصورا ب « إلّا » ؛ فإن المفعول في قوله : ( وهل يعذب إلا الله ) يجوز أن يقدّر قبل الفاعل وبعده . والقائلون بوجوب توسط المفعول ، أجابوا عن نحو ما تقدم من الأبيات ؛ فقدروا قبل « فعل ذي كرم » - عاب - ، وقبل « بطلا » - بنار ، وقبل « ما هيجت » - درى - ؛ بناء على أن ما قبل « إلا » لا يعمل فيما بعدها في غير الأمور المستثناة ، وقدروا قبل المجرور في البيت الأخير وهو بالنار - يعذّب - ، فلم يتقدم الفاعل المحصور على المفعول ؛ لأن هذا ليس مفعولا للفعل المذكور . الثالثة : - أن يتصل بالفاعل ضمير المفعول ، نحو : ( وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ ) ف « إبراهيم » مفعول به متوسط و « ربه » فاعل مؤخّر وجوبا . وأيضا : فإن قوله تعالى : ( يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ) فيه « الظالمين » مفعول به متوسط ، و « معذرتهم » فاعل مؤخر . وإنما وجب توسط المفعول به ؛ لئلا يعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة ، لو تأخر المفعول به ، وهو غير جائز عند الأكثرين ، لا في نثر ولا في شعر ، إلا في مواضع منها : - ذكر الضمير ثم ذكر مفسره بعده ؛ لغرض التفخيم بذكره مبهما ثم مفسرا ، فيكون أوقع في النفس ، أو لغرض التأكيد بذكره مجملا ثم مفصلا ، فلا يكون هناك لبس ، وليس شيء من هذين مقصودا فيما نحن فيه ؛ لأن المقصود من ذكر إبراهيم ونحوه : أن يكون مفعولا ، وأنت إذا جئت بعد الضمير المبهم بشيء الغرض الأصلي منه التفسير فقط ، لم يبق الإبهام . وإذا جئت بعده بشيء الغرض الأصلي منه غير التفسير ؛ كالمفعول هنا - فلا يكفي في التفسير ؛ لأنه يحمل على ما هو المراد الأصلي منه ، ويبقى الإبهام بحاله . وأجاز الأخفش ، وتبعه ابن جني ، وأبو عبد اللّه الطوال : عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة ، في الشعر والنثر . واستدل من الشعر بقوله : جزى ربه عني عدي بن حاتم * جزاء الكلاب العاويات وقد فعل ( 1 ) وشذ عود الضمير من الفاعل المتقدم ، وهو « أصحابه » على المفعول المتأخر ، وهو « مصعبا » ؛ لأن فيه عود الضمير على متأخّر لفظا ورتبة ، وهذا ممنوع عند جمهور النحويين ، وما ورد من ذلك تأوّلوه ، وأجازها أبو عبد اللّه الطوال من الكوفيين ، وأبو الفتح بن جني ، وتابعهما ابن مالك ؛ وممّا ورد من ذلك قول الشاعر : لما رأى طالبوه مصعبا ذعروا * كسا حلمه ذا الحلم أثواب سؤدد جزى ربه عني عديّ بن حاتم * جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر ويجوز التأويل بأصحاب العصيان ، والأولى تجويز رأي الأخفش وابن جني على قلة ، وليس للبصريين منعه . ( حاشية الخضري 1 / 166 ، الكافية 1 / 73 ) .