عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

427

اللباب في علوم الكتاب

فقال : « أمرّ بمعنى مررت » . قال بعضهم : ويكون في هذه الآية - يعني في آية « آل عمران » - بمعنى « كان » فليجز عطفه على « قال » . وقرأ ابن عامر « 1 » : « فيكون » نصبا هنا ، وفي الأولى من « آل عمران » ، وهي كُنْ فَيَكُونُ ، تحرزا من قوله تعالى : كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ [ آل عمران : 59 - 60 ] . وفي مريم : كُنْ فَيَكُونُ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ [ مريم : 35 - 36 ] . وفي غافر : كُنْ فَيَكُونُ أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ [ غافر : 68 - 69 ] . ووافقه الكسائي على ما في « النحل » و « يس » . وهي : أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس : 82 ] . أما آيتا « النحل » و « يس » فظاهرتان : لأن ما قبل الفعل منصوبا يصح عطفه عليه ، وسيأتي . وأما ما انفرد به ابن عامر في هذه المواضع الأربعة ، فقد اضطرب كلام النّاس فيها ، وهي لعمري تحتاج إلى فضل نظر وتأمل ، ولذلك تجرأ بعض الناس على هذا الإمام الكبير ، فقال ابن مجاهد : قرأ ابن عامر : « فيكون » نصبا ، وهذا غير جائز في العربية ؛ لأنه لا يكون الجواب هنا للأمر بالفاء إلّا في « يس » و « النحل » ، فإنه نسق لا جواب . وقال في « آل عمران » : قرأ ابن عامر وحده : « كن فيكون » بالنصب وهو وهم . قال : وقال هشام : كان أيوب بن تميم يقرأ : « فيكون » نصبا ، ثم رجع فقرأ : « يكون » رفعا . وقال الزجاج : « كن فيكون » رفع لا غير . وأكثر ما أجابوا بأن هذا مما روعي فيه ظاهر اللّفظ من غير نظر للمعنى ، يريدون أنه قد وجد في اللفظ صورة أمر فنصبتا في جوابه بالفاء . وأما إذا نظرنا إلى جانب المعنى ، فإن ذلك لا يصح لوجهين :

--> - بجعل التابع بدلا ، فإذا كان التعريف بلام الجنس ، جاز نعته بالنكرة ؛ لقربه من التنكير ، كما في البيت الذي معنا . وشاهد آخر وضع « أمرّ » موضع « مررت » ؛ لأنه لم يرد ماضيا منقطعا ، وإنما أراد أن هذا أمره ودأبه ، فجعله كالفعل الدائم ، وإذا كان بمعنى الماضي ، فيجوز عطف الماضي عليه ، فيعطف « فمضيت » على أمر ؛ لأنه بمعنى « مررت » كما وضحنا . وشاهد ثالث : وهو أن المرور يتعدّى ب « على » كما يتعدى ب « الباء » . ورابع : وهو أن - ثمّت - هي ثم العاطفة ، فإذا كانت مع التاء ، اختصّت بعطف الجمل . ( 1 ) انظر السبعة : 169 ، وحجة القراءات : 111 ، والحجة : 2 / 203 ، والعنوان في القراءات السبع : 71 ، وشرح الطيبة : 4 / 58 ، وشرح شعلة : 273 ، وإتحاف فضلاء البشر : 1 / 413 .