عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
412
اللباب في علوم الكتاب
فإن قيل : المراد به الحجّ لقوله : « بعد عامهم هذا » لأن الحجّ إنما يفعل في السنة مرة واحدة . فالجواب من وجوه : أحدها : أنه ترك للظّاهر من غير موجب . الثّاني : ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون ذلك الوصف علّة لذلك الحكم ، وهذا يقتضي أن المانع من قربهم من المسجد الحرام نجاستهم ، [ وذلك يقتضي أنهم ما داموا مشركين كانوا ممنوعين عن المسجد الحرام ] « 1 » . الثالث : أنه - تعالى - لو أراد الحج لذكر من البقاع ما يقع فيه معظم أركان الحج وهو « عرفة » . الرابع : الدّليل على أن المراد دخول الحرم لا الحج فقط قوله تعالى : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [ التوبة : 28 ] فأراد به الدخول للتجارة . ومنها قوله تعالى : « أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ » وهذا يقتضي أن يمنعوا من دخول المساجد ، وأنهم متى دخلوا كانوا خائفين من الإخراج إلّا ما قام عليه الدليل . فإن قيل : هذه الآية مخصوصة بمن خرب « بيت المقدس » ، أو بمن منع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من العبادة في الكعبة . وأيضا يحتمل أن يكون خوف الجزية والإخراج . فالجواب عن الأول : أن الآية ظاهرة في العموم فتخصيصه ببعض الصور خلاف الظاهر ، وعن الثاني أن الآية تدل على أن الخوف إنما حصل من الدخول ، وعلى ما يقولونه لا يكون الخوف متولدا من الدخول ، بل من شيء آخر . ومنها [ أن الحرم واجب التعظيم والتكريم والتشريف والتفخيم ، وأن صونه عمّا يوجب تحقيره واجب ، وتمكين الكفّار من الدخول فيه تفويض له بالتحقير ؛ لأنهم لفسادهم ربما استخفّوا به ، وأقدموا على تلويثه وتنجيسه . ومنها أنه تعالى ] « 2 » أمر بتطهير البيت في قوله : طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ [ البقرة : 125 ] والمشرك نجس لقوله تعالى : « إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ » . والتطهير على النجس واجب ، فيكون تبعيد الكافر عنه واجبا ، وبأنا أجمعنا على أن الجنب يمنع منه ، فالكافر بأن يمنع منه أولى . واحتج أبو حنيفة - رحمه اللّه - بأنه - عليه الصلاة والسلام - لما قدم عليه وفد
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في ب .