عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

408

اللباب في علوم الكتاب

لأنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن عهد « بختنصّر » كان قبل مولد المسيح - عليه السلام - بدهر طويل ، والنصارى كانوا بعد المسيح ، فكيف يكونون مع بختنصّر في تخريب « بيت المقدس » ؟ وأيضا فإن النصارى يعتقدون في تعظيم « بيت المقدس » مثل اعتقاد اليهود وأكثر ، فكيف أعانوا على تخريبه . وقيل : نزلت في مشركي العرب الذين منعوا الرسول - عليه الصلاة والسلام - عن الدعاء إلى اللّه ب « مكة » وألجئوه إلى الهجرة ، فصاروا مانعين له ولأصحابه أن يذكروا اللّه في المسجد الحرام ، وقد كان الصديق - رضي اللّه عنه - بنى مسجدا عند داره ، فمنع وكان ممن يؤذيه ولدان قريش ونساؤهم . وقيل : إن قوله تعالى : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها [ الإسراء : 110 ] نزلت في ذلك ، فمنع من الجهر لئلا يؤذى ، وطرح أبو جهل العذرة على ظهر النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقيل : ومن أظلم من هؤلاء المشركين الذين يمنعون المسلمين الذين يوحّدون اللّه ولا يشركون به شيئا ، ويصلون له تذللا ، وخشوعا ، ويشغلون قلوبهم بالفكر فيه ، وألسنتهم بالذكر له ، وجميع جسدهم بالتذلّل لعظمته وسلطانه . وقال أبو مسلم : المراد منه الذين صدّوه عن المسجد الحرام حين ذهب إليه من « المدينة » عام « الحديبية » ، واستشهد بقوله تعالى : هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [ الفتح : 25 ] وحمل قوله تعالى : « إِلَّا خائِفِينَ » بما يعلي اللّه تعالى من يده ، ويظهر من كلمته ، كما قال في المنافقين : ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا [ الأحزاب : 60 - 61 ] . [ فإن قيل : كيف يجوز حمل لفظ المساجد على مسجد واحد ؟ والجواب : أن هذا كمن يقول : من أظلم ممن آذى صالحا واحدا ، ومن أظلم ممّن آذى الصالحين . أو يقال : إن المسجد موضع السجود ، والمسجد الحرام لا يكون في الحقيقة مسجدا واحدا ] « 1 » . قال ابن الخطيب : وعندي فيه وجه خامس ، وهو أقرب إلى رعاية النظم ، وهو أن يقال : إنه لما حولت القبلة إلى الكعبة شقّ ذلك على اليهود ، فكانوا يمنعون النّاس عن الصّلاة عند توجّههم إلى الكعبة ، ولعلّهم أيضا سعوا في تخريب الكعبة بأن حملوا بعض الكفار على تخريبها ، وسعوا أيضا في تخريب مسجد الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم لئلا يصلوا فيه متوجّهين إلى القبلة ، فعابهم اللّه بذلك ، وبيّن سوء طريقتهم فيه .

--> ( 1 ) سقط في ب .