عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

405

اللباب في علوم الكتاب

قوله : « فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ » فيه ثلاثة أوجه : أحدها : قال الحسن : يكذبهم جميعا ، ويدخلهم النار . وثانيها : ينصف المظلوم المكذّب من الظالم المكذّب . وثالثها : يريهم من يدخل الجنة عيانا ، ومن يدخل النار عيانا ، وهو قول « الزجاج » . قوله : « بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ » منصوبان ب « يحكم » ، و « فيه » متعلق ب « يختلفون » . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 114 ] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 114 ) « من » استفهام في محلّ رفع بالابتداء ، و « أظلم » أفعل تفضيل خبره ، ومعنى الاستفهام هنا النفي ، أي : لا أحد أظلم منه ، ولما كان المعنى على ذلك أورد بعض الناس سؤالا ، وهو أن هذه الصيغة قد تكررت في القرآن وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى [ الأنعام : 21 ] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ [ السجدة : 22 ] فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ [ الزمر : 37 ] كل واحدة منها تقتضي أن المذكور لا يكون أحد أظلم منه ، فكيف يوصف غيره بذلك ؟ والجواب من وجوه : أحدها : وهو أن يخصّ كل واحد بمعنى صلته كأنه قال : لا أحد من المانعين أظلم ممن منع مساجد اللّه ، ولا أحد من المفترين أظلم ممن افترى على اللّه ، ولا أحد من الكذّابين أظلم ممن كذب على اللّه ، وكذلك ما جاء منه . الثاني : أن التّخصيص يكون بالنّسبة إلى السّبق ، لما لم يسبق أحد إلى مثله حكم عليهم بأنهم أظلم ممن جاء بعدهم سالكا طريقهم في ذلك ، وهذا يؤول معناه إلى السبق في المانعية والافترائية ونحوها . الثالث : أن هذا نفي للأظلمية ، ولما كان نفي الأظلمية لا يستدعي نفي الظّالمية لم يكن مناقضا ؛ لأن فيها إثبات التسوية في الأظلميّة ، وإذا ثبتت التسوية في الأظلمية لم يكن أحد مما وصف بذلك يزيد على الآخر ؛ لأنهم متساوون في ذلك ، وصار المعنى : ولا أحد أظلم ممن منع ، وممن افترى وممن ذكر ، ولا إشكال في تساوي هؤلاء في الأظلمية ، ولا يدلّ ذلك على أن أحد هؤلاء يزيد على الآخر في الظلم ، كما أنك إذ قلت : « لا أحد أفقه من زيد وبكر وخالد » لا يدلّ على أن أحدهم أفقه من الآخر ، بل نفيت أن يكون أحد أفقه منهم ، لا يقال : إن من منع مساجد اللّه ، وسعى في خرابها ، ولم يفتر على اللّه كذبا أقلّ ظلما ممن جمع بين هذه الأشياء ، فلا يكونون متساوين في الأظلمية إذ هذه الآيات كلها في الكفّار ، وهم متساوون في الأظلمية إذ كانت طرق الأظلمية مختلفة .