عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
379
اللباب في علوم الكتاب
نقرأ « الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتّة نكالا من اللّه واللّه عزيز حكيم » « 1 » . وروي : « لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى إليهما ثالثا ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التّراب ، ويتوب اللّه على من تاب » « 2 » . وأما نسخ الحكم والتلاوة معا ، فكما روت عائشة - رضي اللّه عنها - قالت : « أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس معلومات » « 3 » ، فالعشر
--> - النوع في شيء ؛ بدليل أن هذه القراءة كانت مشهورة إلى زمن أبي حنيفة - رضي اللّه عنه - ، لكن لمّا لم يوجد فيها النقل المتواتر الذي يثبت بمثله القرآن ، تركت ، فالأولى التمثيل لهذا النوع بما روي عن أمير المؤمنين عمر - رضي اللّه تعالى عنه - : « كان فيما أنزل : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من اللّه ، واللّه عزيز حكيم » ، وهذا ثابت بطرق كثيرة ، فلا يبعد أن يدعى فيه التواتر ، فاندفع قول القائل : « لا يتصور نسخ التلاوة مع بقاء الحكم » ؛ لأن القرآن لا يثبت إلا بالنقل المتواتر . وهذا النوع كسابق من اتفاق الجمهور على جوازه ووقوعه ، ولم يخالف في ذلك سوى شرذمة من المعتزلة ؛ متمسكين بأن التلاوة مع الحكم بمنزلة العلم مع العالمية ، والمفهوم مع المنطوق . وكما لا ينفك العلم عن العالمية ، والمفهوم عن المنطوق ، فكذلك التلاوة والحكم لا ينفكان ، وأيضا يلزم من نسخ التلاوة دون الحكم إيقاع المكلف في الجهل ؛ لأن ارتفاع التلاوة مظنة ارتفاع الحكم . « الجواب » . « أما عن الأول » فلا تلازم بين جواز التلاوة وحكم المدلول ؛ فإن جواز التلاوة حكم ، وحكم المدلول حكم آخر ، وليس هذا كالعلم مع العالمية ؛ إذ لا مغايرة بين قيام العلم بالذات وبين العالمية ؛ فإن العالمية هي قيام العلم بالذات ، وإذ لا تغاير ، فلا تلازم ، ولو سلّم عدم الانفكاك بين العلم والعالمية ، فلا نسلم التساوي في الشبه إذ العلم علة العالمية ، بخلاف التلاوة ، فإنها أمارة الحكم فلا يلزم من انتفاء الأمارة انتفاء ما دلت عليه ، ولا من انتفاء مدلولها انتفاؤها . وتظهر حكمة هذا النوع في كل آية بما يناسبها ، فنرى في آية « الرجم » مثلا حكمة اللّه تتجلى بأكمل معانيها ، في تنزيه الأسماع عن تكرار سماع هذه الفعلة الفاحشة جد الفحش ، والألسنة عن تكرار التلفظ بهذه الجريمة التي يمجها الذوق السليم ، ويأبى الضمير الحي إلّا أن يطاردها ، فهي ممّا يستحى من تكراره ؛ يدلنا على ذلك : أن الإنسان يستبيح لنفسه أن يتحدث لبنيه وبناته بأخبار سرقات ، وقتل ونهب ، ولا يستبيح لنفسه أن يتحدث لهم عن هتك الأعراض ، وتعرض الرجال للنّساء ، والنساء للرجال ؛ فإن ذلك مدعاة إلى حب الاستطلاع ، ولا يكون إلا بالسقوط في تلك الهوّة . ( 1 ) أخرجه أحمد ( 5 / 182 ) وابن ماجة ( 2 / 853 ) رقم ( 2553 ) وأبو داود « كتاب الحدود » باب ( 16 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 89 / 115 ) كتاب الرقاق باب ما يتقى من فتنة المال رقم ( 6440 ) وأحمد ( 5 / 117 ) وابن حبان ( 2483 - موارد ) . وأخرجه مسلم في الزكاة ( 1049 ) بلفظ : « لو أن لابن آدم ملء واد مالا ، لأحبّ أن له إليه مثله » . وأخرجه الطبراني في الكبير ( 1 / 201 ) رقم ( 42 ) مختصرا ، والترمذي ( 3894 ) والحاكم ( 2 / 224 ) وصححه ووافقه الذهبي . وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . ( 3 ) أخرجه مسلم « كتاب الرضاع » باب 25 وأبو داود ( 1 / 629 ) رقم ( 2062 ) والترمذي ( 4 / 456 ) رقم ( 1150 ) والدارمي ( 2 / 157 ) .