عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
373
اللباب في علوم الكتاب
في شرع موسى وعيسى - عليهما الصلاة والسلام - مع أنهما لم يدوما ، زال الوثوق عنه في كل الصور . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : ذكر اللفظ الدّال على الدوام ، ثم قرن به ما يدلّ على أنه سينسخه أو ما قرن به إلا أنه نصّ على ذلك ، إلا أنه لم ينقل إلينا في الجملة ؟ قلت : هذا ضعيف لوجوه : أحدها : أن التنصيص على اللفظ الدال على الدوام مع التنصيص على أنه لا يدوم جمع بين كلامين متناقضين . وثانيها : على هذا التقدير قد بين اللّه - تعالى - أن شرعهما سيصير منسوخا ، فإذا نقل شرعه وجب أن ينقل هذه الكيفية أيضا ؛ لأنه لو جاز أن ينقل أصل الشرع بدون هذه الكيفية لجاز مثله في شرعنا أيضا ، وحينئذ لا يكون لنا طريق إلى القطع بأن شرعنا غير منسوخ ؛ لأن ذلك من الوقائع العظيمة التي تتوفّر فيها الدواعي على نقله ، وما كان كذلك وجب اشتهاره ، وبلوغه إلى حدّ التواتر ، وإلا فلعلّ القرآن عورض ، ولم تنقل معارضته ، ولعلّ محمدا صلّى اللّه عليه وسلم غير هذا الشرع عن هذا الوضع ، ولم ينقل ، [ وإذا كان ذلك غير جائز وجب ] « 1 » أن تنقل هذه الكيفية على سبيل التواتر ، فنقول : لو أن اللّه - تعالى - نصّ في زمان موسى وعيسى - عليهما الصلاة والسلام - على أن شرعيهما سيصيران منسوخين لكان ذلك مشهورا لأهل التواتر ، وكان معلوما لهم بالضرورة ، ولو كان كذلك لاستحال منازعة الجمع العظيم فيه ، فحيث رأينا اليهود والنصارى مطبقين على إنكار ذلك علمنا أنه لم يوجد التنصيص على أن شرعيهما يصيران منسوخين . وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : [ إن اللّه - تعالى - نص على شرع موسى - عليه الصلاة والسلام - وقرن به ما يدل به على أنه منقطع غير دائم ] « 2 » . فهذا باطل لما ثبت أنه لو كان كذلك لوجب أن يكون ذلك معلوما بالضرورة لأهل التواتر . وأيضا فبتقدير صحته لا يكون ذلك نسخا ، بل يكون ذلك انتهاء للغاية . وأما القسم الثالث : وهو أنه [ - تعالى - نص على شرع موسى - عليه الصلاة والسلام - ولم يبيّن فيه كونه دائما ، أو كونه غير دائم ] « 3 » فنقول : إنه ثبت في أصول الفقه أن مجرد الأمر لا يفيد التكرار « 4 » ، وإنما يفيد المرة الواحدة ، فإذا أتى المكلف بالمرة
--> ( 1 ) في ب : وإذا ثبت وجوب . ( 2 ) في أ : أنه نص على عدم الدوام . ( 3 ) في أ : لم ينص على الدوام ، ولا على عدم الدوام . ( 4 ) لا نزاع بين الأصوليّين ، والنّظّار ، ومن لفّ لفّهم في أنّ المرّة ضروريّة ؛ من حيث إنّ الماهيّة لا وجود لها في الخارج إلّا ضمن أفرادها ، لا من حيث إنّها مدلولة . -