عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
364
اللباب في علوم الكتاب
و « يختص » يحتمل أن يكون متعديّا ، وأن يكون لازما ، فإن كان متعديا كان فيه ضمير يعود على اللّه تعالى ، وتكون « من » مفعولا به أي يختص اللّه الذي يشاؤه برحمته ، ويكون معنى « افتعل » هنا معنى المجرد نحو : كسب مالا واكتسبه ، وإن كان لازما لم يكن فيه ضمير ، ويكون فاعله « من » أي : واللّه يختصّ برحمته الشّخص الذي يشاؤه ، ويكون « افتعل » بمعنى فعل الفاعل بنفسه نحو : اضطراب ، والاختصاص ضد الاشتراك ، وبهذا [ يتبين فساد ] « 1 » قول من زعم أنه هنا متعدّ ليس إلّا . و « من » يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة ، وعلى كلا التقديرين فلا بد من تقدير عائد ، أي : يشاء اختصاصه . ويجوز أن يضمن « يشاء » معنى يختار ، فحينئذ لا حاجة إلى حذف مضاف ، بل تقدره ضميرا فقط أي : يشاؤه ، و « يشاء » على القول الأول لا محلّ له لكونه صلة ، وعلى الثاني محلّه النّصب ، أو الرفع على [ حسب ] « 2 » ما ذكر في موصوفه من كونه فاعلا أو مفعولا . فصل في تفسير الرحمة في الآية قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : « يختصّ برحمته » أي بنبوّته ، خص بها محمدا صلّى اللّه عليه وسلم . وقيل : الرحمة القرآن . وقيل : هنا عامة لجميع أنواعها التي قد منحها اللّه عباده قديما وحديثا . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 106 ] ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 106 ) اعلم أن المشركين طعنوا في الإسلام فقالوا : ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ، ثم ينهاهم عنه ، ويأمرهم بخلافه ويقول اليوم قولا ، وغدا يرجع عنه ، كما قال تعالى : وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ [ النحل : 101 ] فنزلت هذه الآية . في « ما » قولان : أحدهما - وهو الظاهر - أنها مفعول مقدم ل « ننسخ » ، وهي شرطية أيضا جازمة ل « ننسخ » ولكنها واقعة موقع المصدر ، و « من آية » هو المفعول به ، والتقدير : أي شيء ننسخ كقوله : أَيًّا ما تَدْعُوا [ الإسراء 110 ] ، أو : أيّ نسخ ننسخ من آية ، قاله أبو البقاء وغيره ، وقالوا : مجيء « ما » مصدرا جائز ؛ وأنشدوا : [ الكامل ]
--> ( 1 ) في أ : يفسد . ( 2 ) سقط في ب .