عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

363

اللباب في علوم الكتاب

قال القرطبي : و « أن » في موضع نصب ، أي بأن ينزل . قوله : « مِنْ خَيْرٍ » هذا هو القائم مقام الفاعل ، و « من » زائدة ، أي : أن ينزل خير من ربكم . وحسن زيادتها هنا ، وإن كان « ينزل » لم يباشره حرف النفي ؛ لانسحاب النفي عليه من حيث المعنى ؛ لأنه إذا نفيت الودادة انتفى متعلّقها ، وهذا له نظائر في كلامهم نحو : « ما أظن أحدا يقول ذلك إلّا زيد » برفع « زيد » بدلا من فاعل « يقول » وإن لم يباشر النفي ، لكنه في قوة : « ما يقول أحد ذلك إلّا زيد في ظني » . وقوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ [ الأحقاف : 33 ] زيدت « الباء » ؛ لأنه في معنى : أوليس اللّه بقادر ، وهذا على رأي سيبويه وأتباعه . وأما الكوفيّون والأخفش فلا يحتاجون إلى شيء من هذا . وقيل « من » للتبعيض ، أي : ما يودون أن ينزّل من الخير قليل ولا كثير ، فعلى هذا يكون القائم مقام الفاعل : « عليكم » ، والمعنى : أن ينزل عليكم بخير من الخيور . والمراد بالخير - هنا - الوحي . والمعنى : أنهم يرون أنفسهم أحقّ بأن يوحى إليهم فيحسدونكم ، فبيّن سبحانه وتعالى أن حسدهم لا يؤثّر في زوال ذلك بقوله : « اللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ » . قوله : « مِنْ رَبِّكُمْ » في « من » أيضا قولان : أحدهما : أنها لابتداء الغاية ، فتتعلّق ب « ينزّل » . والثاني : أنها للتبعيض ، ولا بد حينئذ من حذف مضاف تقديره : من خيور ربّكم ، وتتعلق حينئذ بمحذوف ، لأنها ومجرورها صفة لقوله : « مِنْ خَيْرٍ » أي : من خير كائن من خيور ربكم ، ويكون في محلّها وجهان : الجر على اللفظ ، والرفع على الموضع ، لأن « من » زائدة في « خير » ، فهو مرفوع تقديرا لقيامه مقام الفاعل كما تقدم . وتلخص مما تقدم أن في كل واحدة من لفظ « من » قولين : الأولى : قيل : إنها للتبعيض ، وقيل : أو لبيان الجنس . وفي الثانية قولان : زائدة أو للتبعيض . وفي الثالثة أيضا قولان : لابتداء الغاية ، أو التبعيض . قوله : « وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ » هذه جملة ابتدائية تضمنت ردّ ودادتهم ذلك .