عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
360
اللباب في علوم الكتاب
ولا تشتغل بغيره ، وليس في قوله : « انْظُرْنا » إلا سؤال الانتظار إلى مقدار ما يصل إلى فهم كلامه . والجمهور على أن « راعنا » أمر من المراعاة ، وهي النظر في مصالح الإنسان ، وتدبر أموره ، و « راعنا » يقتضي المشاركة ؛ لأن معناه : ليكن منك رعاية لنا ، وليكن منا رعاية لك ، فنهوا عن ذلك ؛ لأن فيه مساواتهم به عليه الصلاة والسلام . وبين أنه لا بد من تعظيم الرسول صلّى اللّه عليه وسلم في المخاطبة كما قال تعالى : لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [ النور : 63 ] . وقرأ الحسن « 1 » وأبو حيوة : « راعنا » بالتنوين ، ووجهه أنه صفة لمصدر محذوف ، أي : قولا راعنا ، وهو على طريق النسب ك « لابن » و « تأمر » ، والمعنى : لا تقولوا قولا ذا رعونة . والرعونة : الجهل والحمق والهوج ، وأصل الرعونة : التفرّق ، ومنه : « جيش أرعن » أي : متفرّق في كل ناحية ، ورجل أرعن : أي ليس له عقل مجتمع ، وامرأة رعناء . وقيل للبصرة : الرعناء ؛ قال : [ البسيط ] 722 - لولا ابن عتبة عمرو والرّجاء له * ما كانت البصرة الرّعناء لي وطنا « 2 » قيل : سميت بذلك لأنها أشبهت « رعن الجبل » وهو النّاتىء منه . وقال ابن فارس : يقال : « رعن الرجل يرعن رعنا » . وقرأ أبيّ « 3 » ، وزرّ بن حبيش ، والأعمش ذكرها القرطبي « راعونا » ، وفي مصحف عبد اللّه كذلك ، خاطبوه بلفظ الجمع تعظيما ، وفي مصحف عبد اللّه أيضا « ارعونا » لما تقدم . والجملة في محل نصب بالقول ، وقدم النهي على الأمر ؛ لأنه من باب التروك فهو أسهل . فإن قيل : أفكان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يعجل عليهم حتّى يقولوا هذا ؟ فالجواب من وجهين : أحدهما : أن هذه اللفظة قد تقال في خلال الكلام ، وإن لم تكن هناك عجلة تحوج إلى ذلك كقول الرجل في خلال حديثه : اسمع أو سمعت . الثاني : أنهم فسروا قوله تعالى : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [ القيامة : 16 ] أنه - عليه السلام - كان يعجل قول ما يلقيه إليه جبريل - عليه السلام - حرصا على تحصيل الوحي ، وأخذ القرآن ، فقيل له : لا تحرّك به لسانك لتعجل به ، فلا يبعد أن يجعل فيما
--> ( 1 ) انظر المحرر الوجيز : 1 / 189 ، قال ابن عطية : وهي شاذة ، وانظر البحر المحيط : 1 / 508 ، والدر المصون : 1 / 332 . ( 2 ) البيت للفرزدق . ينظر القرطبي : 2 / 42 ، أدب الكاتب : 330 ، المجمل : 2 / 383 ، الدر المصون : 1 / 332 . ( 3 ) انظر المحرر الوجيز : 1 / 189 ، والبحر المحيط : 1 / 509 ، والدر المصون : 1 / 332 .