عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
345
اللباب في علوم الكتاب
الأولى أن يخيّرا بين التوبة والعذاب ؛ لأن اللّه - تعالى - خير بينهما من أشرك به طول عمره ، فكيف يبخل عليهما بذلك ؟ الثالث : أن من أعجب الأمور قولهم : إنهما يعلمان السحر في حال كونهما معذبين ، ويدعوان إليه ، وهما يعاقبان [ ولما ظهر فساد هذا القول فنقول : السبب ] « 1 » في إنزالهما وجوه : أحدها : أن السحرة كثرت في ذلك الزمان ، واستنبطت أبوابا غريبة من السحر ، وكانوا يدّعون النبوة ، ويتحدّون الناس بها ، فبعث اللّه - تعالى - هذين الملكين لأجل أن يعلّما الناس أبواب السّحر حتى يتمكّنوا من معارضة أولئك الذين كانوا يدعون النبوة كذبا ، ولا شك أن هذا من أحسن الأغراض والمقاصد . وثانيها : أن العلم بكون المعجزة مخالفة للسّحر متوقّف على العلم بماهية المعجزة ، وبماهية السحر ، والناس كانوا جاهلين بماهية السّحر ، فلا جرم تعذّرت عليهم معرفة حقيقة المعجزة ، فبعث اللّه - تعالى - هذين الملكين لتعريف ماهية السحر لأجل هذا الغرض . وثالثها : لا يمتنع أن يقال : السحر الذي يوقع الفرقة بين أعداء اللّه ، والألفة بين أولياء اللّه كان مباحا عندهم ، أو مندوبا ، فاللّه - تعالى - بعث ملكين لتعليم السّحر لهذا الغرض ، ثم إن القوم تعلموا ذلك منهما ، واستعملوه في الشر ، وإيقاع الفرقة بين أولياء اللّه ، والألفة بين أعداء اللّه . ورابعها : أن تحصيل العلم بكل شيء حسن ، ولما كان السّحر منهيا عنه وجب أن يكون متصورا معلوما ؛ لأن الذي لا يكون متصورا يمتنع النهي عنه . وخامسها : لعل الجن كان عندهم أنواع من السحر لم يقدر البشر على الإتيان بمثلها ، فبعث اللّه الملائكة ليعلموا البشر أمورا يقدرون بها على معارضة الجن . وسادسها : يجوز أن يكون ذلك تشديدا في التكليف من حيث إنه إذا علمه ما أمكنه أن يتوصّل به إلى اللّذات العاجلة ، ثم منعه من استعمالها كان ذلك في نهاية المشقّة ، فيستوجب به الثواب الزائد ، كما ابتلي قوم طالوت بالنهر على ما قال : فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي [ البقرة : 249 ] فثبت بهذه الوجوه أنه لا يبعد من اللّه - تعالى - إنزال الملكين لتعليم السّحر ، واللّه أعلم . فصل في زمن وقوع هذه القصة قال بعضهم : هذه الواقعة إنما وقعت في زمان إدريس عليه الصّلاة والسلام .
--> ( 1 ) في أ : لكن الحكمة .