عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
346
اللباب في علوم الكتاب
قوله : « حَتَّى يَقُولا : إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ » . « حتى » : حرف غاية ونصب ، وهي هنا بمعنى « إلى » ، والفعل بعدها منصوب بإضمار « أن » ولا يجوز إظهارها ، وعلامة النصب حذف النون ، والتقدير : إلى أن يقولا ، وهي متعلقة بقوله : « وَما يُعَلِّمانِ » ، والمعنى أنه ينتفي تعليمهما أو إعلامهما على ما مضى من الخلاف إلى هذه الغاية ، وهي قولهم : « إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ » . وأجاز أبو البقاء - رحمه اللّه - أن تكون « حتى » بمعنى « إلا » قال : والمعنى : وما يعلمان من أحد إلّا أن يقولا وهذا الذي أجازه لا يعرف عن أكثر المتقدمين ، وإنما قاله ابن مالك ؛ وأنشد : [ الكامل ] 710 - ليس العطاء من الفضول سماحة * حتّى تجود وما لديك قليل « 1 » قال : تقديره : إلا أن تجود . و « حتى » تكون حرف جر بمعنى « إلى » كهذه الآية ، وكقوله : حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ [ القدر : 5 ] ، وتكون حرف عطف ، وتكون حرف ابتداء فتقع بعدها الجمل ؛ كقوله : [ الطويل ] 711 - فما زالت القتلى تمجّ دماءها * بدجلة حتّى ماء دجلة أشكل « 2 » والغاية معنى لا يفارقها في هذه الأحوال الثلاثة ، فلذلك لا يكون ما بعدها إلا غاية لما قبلها : إما في القوة ، أو الضعف ، أو غيرهما ، ولها أحكام أخر ستأتي إن شاء اللّه تعالى . و « إنما » مكفوفة ب « ما » الزائدة ، فلذلك وقع بعدها الجملة ، وقد تقدم أن بعضهم يجيز إعمالها ، والجملة في محلّ نصب بالقول ، وكذلك : « فلا تكفر » . فصل في المراد بالفتنة المراد هاهنا بالفتنة المحنة التي بها يتميز المطيع عن العاصي ، كقولهم : فتنت الذهب بالنار إذا عرض على النار ليتميز الخاصّ عن المشوب ، وقد بيّنا الحكمة في بعثة الملكين لتعليم السحر . فالمراد أنهما لا يعلمان أحدا السحر ولا يصفانه لأحد ، ولا يكشفان له وجوه
--> ( 1 ) البيت للمقنع الكندي في خزانة الأدب 3 / 370 ، والدرر 4 / 75 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1734 ، وشرح شواهد المغني 1 / 372 ، وبلا نسبة في الجنى الداني 555 ، وشرح الأشموني 3 / 560 ، مغني اللبيب 1 / 125 ، المقاصد النحوية 4 / 412 ، همع الهوامع : 2 / 9 ، والدر المصون : 1 / 324 . ( 2 ) البيت لجرير . ينظر ديوانه : ( 344 ) ، الخزانة : 9 / 477 ، شرح المفصل : 8 / 18 ، الهمع : 1 / 248 ، الدرر : 1 / 207 ، الأشموني 3 / 300 ، التهذيب 1 / 22 ، حروف المعاني للزجاجي ( 65 ) معاني الحروف للرماني ( 120 ) ، مغني اللبيب : 1 / 128 ، شرح الألفية لابن الناظم ( 676 ) ، الدر المصون : 1 / 324 .