عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

334

اللباب في علوم الكتاب

ذلك زال عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ذلك العارض ، ونزلت المعوّذتان بسببه . وروي أن امرأة أتت عائشة رضي اللّه عنها : فقالت لها : إني ساحرة فهل لي من توبة ؟ فقالت عائشة : وما سحرك ؟ فقالت : صرت إلى الموضع الذي فيه هاروت وماروت ب « بابل » أطلب علم السحر ، فقالا لي : يا أمة اللّه لا تختاري عذاب الآخرة بأمر الدنيا فأبيت ، فقالا لي : اذهبي فبولي على ذلك الرماد ، فذهبت لأبول عليه ففكرت في نفسي فقلت لا أفعله وجئت إليهما فقلت قد فعلت ، فقالا لي ما رأيت لما فعلت ؟ فقلت : ما رأيت شيئا فقالا لي : أنت على رأس أمر ، فاتقي اللّه ولا تفعلي فأبيت فقالا لي : اذهبي فافعلي فذهبت ففعلت ، فرأيت كأن فارسا مقنّعا بالحديد قد خرج من فرجي ، فصعد إلى السماء فجئتهما فأخبرتهما فقالا : إيمانك قد خرج عنك ، وقد أحسنت السحر . فقلت : وما هو ؟ قالا : ما تريدين شيئا فتصوّريه في وهمك إلا كان ، فصورت في نفسي حبا من حنطة فإذا أنا بحبّ فقلت : انزرع فانزرع ، فخرج من ساعته سنبلا فقلت : انطحن فانطحن من ساعته ، فقلت : انخبز فانخبز ، وأنا لا أريد شيئا أصوره في نفسي إلا حصل ، فقالت عائشة : ليس لك توبة « 1 » . فصل في أنّ معجزات اللّه ليست من قبيل السّحر قال القرطبي رحمه اللّه تعالى : أجمع المسلمون على أنه ليس من السحر ما يفعل اللّه عند إنزال الجراد والقمل ، والضفادع ، وفلق البحر ، وقلب العصا ، وإحياء الموتى ، وإنطاق العجماء وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل عليهم السلام ، والفرق بين السحر والمعجزة أن السحر يأتي به الساحر وغيره ، وقد يكون جماعة يعرفونه ، ويمكنهم الإتيان به في وقت واحد ، والمعجزة لا يمكن اللّه أحدا أن يأتي بمثلها . فصل في أن العلم بالسحر ليس بمحظور قال ابن الخطيب : اتفق المحققون على أن العلم بالسحر ليس قبيحا ولا بمحظور ؛ لأن العلم لذاته شريف وأيضا لقوله تعالى : هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [ الزمر : 9 ] ولأن الساحر لو لم يكن يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة ، والعلم بكون المعجز معجزا واجب ، [ وما يتوقّف الواجب عليه فهو واجب ، فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبا ، وما يكون واجبا ] كيف يكون حراما وقبيحا . [ ونقل بعضهم وجوب نقله عن المفتي حتى يعلم ما يقتل فيه وما لا يقتل فيفتي به في وجوب القصاص ] « 2 » .

--> ( 1 ) أخرجه الحاكم ( 4 / 155 - 156 ) والطبري في « التفسير » ( 2 / 440 - 441 ) وابن أبي حاتم كما في « تفسير ابن كثير » ( 1 / 260 - 261 ) . وقال ابن كثير عقبه : فهذا إسناد جيد إلى عائشة - رضي اللّه عنها - . ( 2 ) سقط في ب .