عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

317

اللباب في علوم الكتاب

وثالثها : قوله - تعالى - في صفة جبريل عليه الصلاة والسلام : مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [ التكوير : 21 ] ذكره بوصف المطاع على الإطلاق ، وظاهره يقتضي كونه مطاعا بالنسبة إلى ميكائيل - عليه الصّلاة والسّلام - فوجب أن يكون أفضل منه . فإن قيل : حقّ العداوة الإضرار بالعدو ، وذلك محال على اللّه تعالى ، فكيف يجوز أن يكونوا أعداء اللّه ؟ فالجواب : أن معنى العداوة على الحقيقة لا يصح إلّا فينا ؛ لأن العدو للغير هو لذي يريد إنزال المضارّ به ، وذلك محال على اللّه - تعالى - بل المراد أحد وجهين : إما أن يعادوا أولياء اللّه ، فيكون ذلك عداوة للّه ، كقوله : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ المائدة : 33 ] ، وكقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ الأحزاب : 57 ] ؛ لأن المراد بأولياء اللّه دونه لاستحالة المحاربة والأذيّة عليه ، وإما أن يراد بذلك كراهيتهم القيام بطاعته وعبادته ، وبعدهم عن الطريقة ، فلما كان العدو لا يكاد يوافق عدوه أو ينقاد له شبه طريقتهم في هذا الوجه بالعداوة . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 99 ] وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ ( 99 ) قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : إن اليهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - قبل مبعثه ، فلما بعث من العرب كفروا به ، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه ، فقال لهم معاذ بن جبل : يا معشر اليهود اتّقوا اللّه وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ، ونحن أهل الشرك ، وتخبروننا أنه مبعوث ، وتصفون لنا صفته . فقال ابن صوريا : يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه من الآيات ، وما هو بالذي كنا نذكر لكم ، فأنزل اللّه - تعالى - هذه الآيات « 1 » ، والمرادة بالآيات البينات : آيات القرآن مع سائر الدّلائل من المباهلة ، ومن تمني الموت وسائر المعجزات نحو : إشباع الخلق الكثير من الطعام القليل [ ونبع ] « 2 » الماء من بين أصابعه وانشقاق القمر . وقال بعضهم : الأولى تخصيص ذلك بالقرآن ، لأن الآيات إذا قرنت بالتنزيل كانت أخصّ بالقرآن . فإن قيل : الإنزال عبارة عن تحريك الشّيء من أعلى إلى أسفل ، وذلك محقّق في الأجسام ، ومحال في الكلام . فجوابه : أن جبريل - عليه الصلاة والسلام - لما نزل من الأعلى إلى الأسفل وأخبر به سمي ذلك إنزالا .

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 2 / 398 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 181 ) وزاد نسبته لابن إسحاق وابن أبي حاتم عن ابن عباس والأثر ذكره ابن هشام في « السيرة النبوية » ( 2 / 196 ) . ( 2 ) في ب : ونبوع .