عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

318

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى : « وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ » هذا استثناء مفرّغ ، وقد تقدم أن الفراء يجيز فيه النصب . والكفر بها من وجهين : الأول : جحودها مع العلم بصحتها . والثاني : جحودها مع الجهل ، وترك النظر فيها ، والإعراض عن دلائلها ، وليس في الظّاهر تخصيص ، فيدخل الكل فيه . قال ابن الخطيب « 1 » : والفسق في اللّغة : خروج الإنسان عما حدّ له قال اللّه تعالى : فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [ الكهف : 50 ] . وتقول العرب للنواة إذا خرجت من الرّطبة عند سقوطها : فسقت النواة ، وقد يقرب من معناه الفجور ؛ لأنه مأخوذ من فجور السّد الذي يمنع الماء من أن يسير من الموضع الذي يفسد ، فشبه تعدّي الإنسان ما حدّ له إلى الفساد بالذي فجر السّد حتى صار إلى حيث يفسد . فإن قيل : أليس صاحب الصغيرة تجاوز أمر اللّه ، ولا يوصف بالفسق والفجور ؟ قلنا : إنه إنما يسمى بهما كل أمر يعظم من الباب الذي ذكرنا ؛ لأن من فتح من النهر نقبا يسيرا لا يوصف بأنه فجر ذلك النهر ، وكذلك الفسق إنما يقال إذا عظم التعدّي ، إذا ثبت هذا فنقول : في قوله : « إِلَّا الْفاسِقُونَ » وجهان : أحدهما : أن كل كافر فاسق ، ولا ينعكس ، فكأن ذكر الفاسق يأتي على الكافر وغيره ، فكان أولى . الثاني : أن يكون المراد ما يكفر بها إلّا الكافر المتجاوز على كلّ حدّ في كفره ، والمعنى : أن هذه الآيات لما كانت بيّنة ظاهرة لم يكفر بها إلّا الكافر الذي يبلغ في الكفر إلى النهاية القصوى ، والأحسن في الجواب أن يقال : إنه - تعالى - لما قال : « وَما يَكْفُرُ بِها » أفهم أن مراده بالفاسق هو الكافر لا عموم الفاسق فزال الإشكال . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 100 ] أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 100 ) الجمهور على تحريك واو « أوكلما » ، واختلف النحويون في ذلك على ثلاثة أقوال : فقال الأخفش : إن الهمزة للاستفهام ، والواو زائدة ، وهذا على رأيه في جواز زيادتها . وقال الكسائي هي « أو » العاطفة التي بمعنى « بل » ، وإنما حركت الواو . ويؤيده قراءة من قرأها ساكنة . وقال البصريون : هي واو العطف قدمت عليها همزة الاستفهام على ما عرف .

--> ( 1 ) ينظر الفخر الرازي : 3 / 182 .