عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
314
اللباب في علوم الكتاب
كذا : أمكنني منه ، وعلى الاختيار ، فعلته بإذنك : أي باختيارك ، وقول من قال بإذنه أي بتيسّره راجع إلى ذلك . قال ابن الخطيب « 1 » : تفسير الإذن هنا بالأمر أي بأمر اللّه ، وهو أولى من تفسيره بالعلم لوجوه : أولها : أنّ الإذن حقيقة في الأمر ، ومجاز في العلم ، واللّفظ واجب الحمل على حقيقته ما أمكن . وثانيها : أن إنزاله كان من الواجبات ، والوجوب مستفاد من الأمر لا من العلم . وثالثها : أن ذلك الإنزال إذا كان من أمر لازم كان أوكد في الحجة . قوله تعالى : « مُصَدِّقاً » حال من الهاء في « نزّله » إن كان يعود الضمير على القرآن ، وإن عاد على جبريل ففيه احتمالان : أحدهما : أن يكون من المجرور المحذوف لفهم المعنى ، والتقدير : فإن اللّه نزّل جبريل بالقرآن مصدقا . الثاني : أن يكون من جبريل بمعنى مصدقا لما بين يديه من الرسل ، وهي حال مؤكدة ، والهاء في « بين يديه » يجوز أن تعود على « القرآن » أو على « جبريل » . وأكثر المفسرين على أن المراد ما قبله من كتب الأنبياء - عليهم الصّلاة والسّلام - لا يخصّ كتابا دون كتاب ، ومنهم من خصّه بالتوراة ، وزعم أنه إشارة إلى أن القرآن يوافق التوراة في الدلالة على نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم . فإن قيل : أليس أن شرائع القرآن مخالفة لشرائع سائر الكتب فلم صار مصدقا لها ؟ فالجواب : أنها كلها متوافقة في الدلالة على التوحيد وأصول الدين . قوله تعالى : « هُدىً وَبُشْرى » حالان معطوفان على الحال قبلهما ، فهما مصدران موضوعان موضع اسم الفاعل ، أو على المبالغة أو على حذف مضاف أي : ذا هدى و « بشرى » ألفها للتأنيث ، وجاء هذا التّرتيب اللفظي في هذه الأحوال مطابقا للترتيب الوجودي ، وذلك أنه نزل مصدّقا للكتب ؛ لأنها من ينبوع واحد ، وحصلت به الهداية بعد نزوله ، وهو بشرى لمن حصلت له به الهداية ، وخصّ المؤمنين ، لأنهم المنتفعون به دون غيرهم ، كقوله : بشرى للمتقين ، أو لأن البشرى لا تكون إلّا للمؤمنين ؛ لأن البشرى هي الخبر الدّال على الخير العظيم ، وهذا لا يحصل إلا للمؤمنين . قوله تعالى : « مَنْ كانَ عَدُوًّا » : الكلام في « من » كما تقدم ، إلّا أن الجواب هنا يجوز أن يكون « فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ » . فإن قيل : وأين الرّابط ؟ فالجواب من وجهين :
--> ( 1 ) ينظر الفخر الرازي : 3 / 179 .