عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

292

اللباب في علوم الكتاب

واستضعفه أبو البقاء - رحمه اللّه تعالى - قال : لأنه قال بعد ذلك : « قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ » فهو جواب قولهم : « سَمِعْنا وَعَصَيْنا » فالأولى ألا يكون بينهما أجنبي . و « الواو » في « أشربوا » وهي المفعول الأول قامت مقام الفاعل ، والثاني هو « العجل » ؛ لأن « شرب » يتعدّى بنفسه ، فأكسبته الهمزة مفعولا آخر ، ولا بد من حذف مضافين قبل « العجل » والتقدير : وأشربوا حبّ عبادة العجل . وحسن حذف هذين المضافين للمبالغة في ذلك حتى كأنه تصوّر إشراب ذات العجل ، والإشراب مخالطة المائع بالجامد ، ثم اتّسع فيه حتى قيل في الألوان نحو : أشرب بياضه حمرة ، والمعنى : أنهم داخلهم حبّ عبادته ، كما داخل الصّبغ الثوب . ومنه قول الشاعر : [ الوافر ] 669 - إذا ما القلب أشرب حبّ شيء * فلا تأمل له الدّهر انصرافا « 1 » وعبر بالشرب دون الأكل ؛ لأن الشرب يتغلغل في باطن الشيء ، بخلاف الأكل فإنه مجاور ؛ ومنه في المعنى : [ الطويل ] 670 - جرى حبّها مجرى دمي في مفاصلي * . . . « 2 » وقال بعضهم : [ الوافر ] 671 - تغلغل حبّ عثمة في فؤادي * فباديه مع الخافي يسير تغلغل حيث لم يبلغ شراب * ولا حزن ولم يبلغ سرور أكاد إذا ذكرت العهد منها * أطير لو أنّ إنسانا يطير « 3 » فهذا وجه الاستعارة . وقيل : الشرب مادة لحياة ما تخرجه الأرض ، فكذلك كانت تلك المحبة مادة لجميع ما صدر عنهم من الأفعال . وقيل : الإشراب هنا حقيقة ؛ لأنه يروى أن موسى - عليه الصلاة والسلام - برد العجل بالمبرد ، ثم جعل تلك البرادة في الماء ، وأمرهم بشربه ، فمن كان يحب العجل ظهرت البرادة على شفتيه .

--> ( 1 ) ينظر روح المعاني : 1 / 326 ، البحر المحيط : 1 / 476 ، الدر المصون : 1 / 305 . ( 2 ) صدر بيت وعجزه : فأصبح لي عن كل شغل بها شغل ينظر البحر المحيط : 1 / 476 ، الدر المصون : 1 / 305 . ( 3 ) الأبيات لعبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة . ينظر الحماسة : 2 / 105 ، المحتسب : 2 / 144 ، مجالس ثعلب : 1 / 236 ، القرطبي : 2 / 23 ، اللسان ( معع ) ، شرح ديوان الحماسة : ( 3 / 1354 ) ، روح المعاني : 1 / 326 ، الدر المصون : ( 1 / 305 ) .