عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
293
اللباب في علوم الكتاب
روى القشيري - رحمه اللّه - أنه ما شربه أحد إلا جنّ . قال القرطبي رحمه اللّه : أما تذريته في الماء فقد دلّ عليه قوله تعالى : ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً [ طه : 97 ] ، وأما شرب الماء وظهور البرادة على الشّفاه وهذا وإن كان قال به السّدي وابن جريج وغيرهما فردّه قوله : « فِي قُلُوبِهِمُ » . فصل في فاعل الإشراب قوله : « وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ » يدلّ على أن فاعلا غيرهم فعل بهم ذلك ، ومعلوم أنه لا يقدر عليه سوى اللّه تعالى . أجاب المعتزلة بوجهين : الأول : ما أراد اللّه - تعالى - أن غيرهم فعل بهم ذلك ، لكنهم لفرط ولوعهم وإلفهم بعبادته أشربوا قلوبهم حبّه ، فذكر ذلك على ما لم يسمّ فاعله كما يقال : فلان معجب بنفسه . والثاني : أن المراد من « أشرب » أي : زيّنه لهم ، ودعاهم إليه كالسّامري ، وإبليس ، وشياطين الإنس والجن . وأجابوا : بأن هذا صرف اللّفظ عن ظاهره ، وذلك لا يجوز المصير إليه إلّا بدليل منفصل ، وقد أقيمت الدلائل العقلية القطعية على أن محدث الأشياء هو اللّه - تعالى - فلا حاجة لنا إلى ترك هذا الظاهر . قوله : « بِكُفْرِهِمْ » فيه وجهان : أظهرهما : أن « الباء » سببية متعلّقة ب « أشربوا » أي : أشربوا بسبب كفرهم السّابق . والثاني : أنها بمعنى « على » يعنون بذلك أنها للحال ، وصاحبها في الحقيقة ذلك المضاف المحذوف أي : أشربوا حبّ عبادة العجل مختلطا بكفرهم ، والمصدر مضاف للفاعل ، أي : بأن يكفروا . قوله : « قُلْ : بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ » كقوله : « بِئْسَمَا اشْتَرَوْا » . والمعنى : فبئسما يأمركم به إيمانكم الذي زعمتم في قولكم : نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا [ البقرة : 91 ] . وقيل : إن هذا خطاب للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وأمر له بأن يوبّخهم أي : قل لهم يا محمد : بئس هذه الأشياء التي فعلتم ، وأمركم بها [ إيمانكم ] « 1 » أي : بالتوراة لأنه ليس في التوراة عبادة العجل وإضافة الأمر إلى إيمانهم كما قالوا لشعيب صلّى اللّه عليه وسلم : أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ [ هود : 87 ] .
--> ( 1 ) سقط في ب .