عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
276
اللباب في علوم الكتاب
والنصر ، وكانوا يقولون : اللّهم افتح علينا ، وانصرنا بالنبي الأمّيّ [ المبعوث ] « 1 » في آخر الزمان الذي نجد صفته في التوراة ، وكانوا يستنصرون ، وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين : قد أظلّ زماننا نبيّ يخرج بتصديق ما قلنا ، فنقتلكم معه قتل عاد وإرم ، فلما جاءهم ما عرفوا يعني محمدا صلّى اللّه عليه وسلم من غير بني إسرائيل ، وعرفوا نعته وصدقه كفروا به بغيا « 2 » . [ وقيل : ] « 3 » نزلت في أحبار اليهود كانوا إذا قرأوا وذكروا محمدا في التوراة ، وأنه مبعوث من العرب سألوا مشركي العرب عن تلك الصّفات ليعلموا أنه هل ولد فيهم من يوافق حاله حال هذا المبعوث وهذه الآية دلّت على أنهم كانوا عارفين بنبوته . فإن قيل : التوراة نقلت نقلا متواترا ، فإما أن يقال : إنه حصل فيها نعت محمد صلّى اللّه عليه وسلم على سبيل التّفصيل أعني بيان أن الشّخص الموصوف بالصّورة الفلانية ، والسيرة الفلانية سيظهر في السّنة الفلانية في المكان الفلاني ، أو لم يوجد هذا الوصف على هذا الوجه ، فإن كان الأول كان القوم مضطرين إلى معرفة شهادة التوراة على صدق محمد - عليه الصلاة والسلام - فكيف يجوز على أهل التواتر إطباقهم على الكذب ؟ وإن لم يكن الوصف على هذه الصفة لم يلزم من الأوصاف المذكورة في التوراة [ كون محمد صلّى اللّه عليه وسلم رسولا فكيف قال تعالى : فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ والجواب : أن الوصف المذكور في التوراة ] « 4 » كان وصفا إجماليا ، وأن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم لم يعرفوا نبوته بمجرد تلك الأوصاف ، بل كانت كالمؤكدة ، فلهذا ذمهم اللّه - تعالى - على الإنكار . قال ابن الخطيب « 5 » : وأما كفرهم فيحتمل أنهم كانوا يظنّون أن المبعوث يكون من بني إسرائيل لكثرة من جاء من الأنبياء من بني إسرائيل ، وكانوا يرغبون النّاس في دينه ، ويدعونهم إليه ، فلما بعث اللّه محمدا من العرب من نسل إسماعيل عظم ذلك عليهم ، فأظهروا التكذيب ، وخالفوا طريقهم الأول . وهذا فيه نظر ؛ لأنهم كانوا عالمين أنه من العرب . ويحتمل أنهم لأجل اعترافهم بنبوّته كان يوجب عليهم زوال رياستهم وأموالهم ، فأبوا وأصرّوا على الإنكار . ويحتمل أنهم ظنوا أنه مبعوث إلى العرب خاصّة ، فلا جرم كفروا به . قوله : « فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ » جملة من مبتدأ أو خبر متسببة عمّا تقدم ، والمصدر - هنا - مضاف للفاعل ، وأتى ب « على » تنبيها على أن اللّعنة قد استعلت عليهم
--> ( 1 ) في ب : الذي يظهر . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 2 / 335 ، 336 ) . ( 3 ) في أ : وقد . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) ينظر الفخر الرازي : 3 / 165 .