عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

275

اللباب في علوم الكتاب

وذهب الفرّاء إلى أن جوابها الفاء الداخلة على « لما » ، وهو عنده نظير قوله : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ [ البقرة : 38 ] قال : ولا يجوز أن تكون الفاء ناسقة ، إذ لا يصلح موضعها « الواو » . و « كفروا » جواب « لما » الثانية على القولين . وقال أبو البقاء « 1 » : في جواب « لما » الأولى وجهان : أحدهما : جوابها « لما » الثانية وجوابها ، وهذا ضعيف ؛ لأن « الفاء » مع « لما » الثانية ، و « لما » لا تجاب بالفاء إلّا أن يعتقد زيادة « الفاء » على ما يجيزه الأخفش . قال شهاب الدين « 2 » : ولو قيل برأي الأخفش في زيادة « الفاء » من حيث الجملة ، فإنه لا يمكن هاهنا لأن « لما » لا يجاب بمثلها ، لا يقال : « لما جاء زيد لما قعد أكرمتك » على أن يكون « لما قعد » جواب « لما جاء » واللّه أعلم . وذهب المبرد إلى أن « كفروا » جواب « لما » الأولى ، وكررت الثّانية لطول الكلام ، ويفيد ذلك تقرير الذنب وتأكيده كقوله تعالى : أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ إلى قوله : أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ [ المؤمنون : 35 ] ، وهو حسن لولا أن « الفاء » تمنع من ذلك . وقال أبو البقاء بعد أن حكى وجها أول : والثاني : أن « كفروا » جواب الأولى والثانية ؛ لأن مقتضاها واحد . وقيل : الثانية تكرير ، فلم تحتج إلى جواب . فقوله : وقيل : الثانية تكرير ، هو قول المبرّد ، وهو في الحقيقة ليس مغايرة للوجه الذي ذكره قبله من كون « كفروا » جوابا لهما بل هو هو . فصل في الاستفتاح اختلفوا في هذا الاستفتاح ، فقال ابن عباس رضي اللّه عنه وقتادة والسّدي : نزلت في بني « قريظة » و « النضير » كانوا يستفتحون على « الأوس » و « الخزرج » برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قبل المبعث « 3 » . وقال أبو مسلم : كانوا يقولون لمخالفيهم : غدا القتال هذا نبي قد أظلّ زمان مولده ، ويصفونه بأنه نبي ، ومن صفته كذا ، ويتفحّصون عنه على الذين كفروا ، أي : على مشركي العرب . وقيل : إن اليهود وقبل مبعث النبي محمد صلّى اللّه عليه وسلم كانوا يستفتحون أي : يسألون الفتح

--> ( 1 ) ينظر الاملاء : 1 / 50 . ( 2 ) ينظر الدر المصون : 1 / 298 . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 2 / 333 - 334 ) عن ابن عباس والأثر ذكره ابن هشام في « السيرة النبوية » ( 2 / 196 ) .