عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

272

اللباب في علوم الكتاب

الخامس : أن يكون حالا من فاعل « يؤمنون » أي : فجمعا قليلا يؤمنون ، أي : المؤمن فيهم قليل ، قال معناه ابن عباس وقتادة والأصم وأبو مسلم . قال ابن الخطيب : « وهو الأولى ؛ لأن نظيره قوله : بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [ النساء : 155 ] ، ولأن الجملة الأولى إذا كان المصرح فيها [ ذكر ] « 1 » القوم فيجب أن يتناول الاستثناء بعض هؤلاء القوم » . وقال المهدوي : ذهب قتادة إلى أن المعنى : فقليل منهم يؤمن ، وأنكره النحويون ، وقالوا : لو كان كذلك للزم رفع « قليل » . وأجيب : بأنه لا يلزم الرّفع مع القول بالمعنى الذي ذهب إليه قتادة لما تقدم من أنّ نصبه على الحال واف بهذا المعنى . و « ما » على هذه الأقوال كلها مزيدة للتأكيد . السادس : أن تكون « ما » نافية ، أي فما يؤمنون قليلا ولا كثيرا ، ومثله : قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ [ الأعراف : 3 ] قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ [ الأعراف : 3 ] ، كما يقال : قليلا ما يغفل أي : لا يعقل البتة . قال الكسائي : « تقول العرب : مررنا بأرض قليلا ما تنبت » ، يريدون : لا تنبت شيئا ، وهذا قول الواقديّ . وهو قوي من جهة المعنى ، وإنما يضعف من جهة تقديم ما في حيّزها عليها قاله أبو البقاء [ وإليه ذهب ابن الأنباري ] « 2 » ، إلا أن تقديم ما في حيّزها عليها لم يجزه البصريون ، وأجازه الكوفيون . قال أبو البقاء « 3 » : « ولا يجوز أن تكون « ما » مصدرية ؛ لأن « قليلا » يبقى بلا ناصب » ، يعني : أنك إذا جعلتها مصدرية كان ما بعدها صلتها ، ويكون المصدر مرفوعا ب « قليلا » على أنه فاعل به فأين الناصب له ؟ وهذا بخلاف قوله تعالى : كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ [ الذاريات : 17 ] فإن « ما » - هاهنا - يجوز أن تكون مصدرية ؛ لأن « قليلا » منصوب ب « كان » وقال الزمخشري : « ويجوز أن تكون القلّة بمعنى العدم » . وقال أبو حيّان : وما ذهب إليه من أن « قليلا » يراد به النّفي فصحيح ، لكن في غير هذا التركيب ، أعني قوله تعالى : « فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ » لأن « قليلا » انتصب بالفعل المثبت ، فصار نظير : « قمت قليلا » أي : قمت قياما قليلا ، ولا يذهب ذاهب إلى أنك إذا أتيت بفعل مثبت ، وجعلت « قليلا » منصوبا نعتا لمصدر ذلك الفعل يكون المعنى في المثبت الواقع على صفة ، أو هيئة انتفاء ذلك المثبت رأسا وعدم وقوعه بالكلية ، وإنما الذي نقل النحويون : أنه قد يراد بالقلّة النفي المحض في قولهم : « أقل رجل يقول ذلك وقلّما يقوم زيد » ، وإذا تقرر هذا فحمل القلّة على النفي المحض - هنا - ليس بصحيح » انتهى .

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) ينظر الاملاء : 1 / 50 .