عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
269
اللباب في علوم الكتاب
وأجاز الرّاغب أن يكون « فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ » معطوفا على قوله : « وآتيناه » ، ويكون « أفكلّما » مع ما بعده فصلا بينهما على سبيل الإنكار . والأظهر الأول وإن كان ما قاله محتملا . فصل في بيان الذي استحق به بنو إسرائيل نهاية الذم هذا نهاية الذّم ؛ لأن اليهود من بني إسرائيل كانوا إذا أتاهم رسول بخلاف ما يهوون كذبوه ، وإن تهيأ لهم قتله قتلوه ، لإرادتهم الرّفعة في الدنيا ، وطلب لذاتها ، والتّرؤس على عامتهم ، وأخذ أموالهم بغير حقّ ، وكانت الرسل تبطل عليهم ذلك ، فيكذبونهم ويوهمون عوامهم كونهم كاذبين ، ويحتجون في ذلك بالتحريف وسوء التأويل ، وبعضهم كان يستكبر على الأنبياء استكبار إبليس على آدم عليه الصلاة والسّلام ، فلما سمعت اليهود ذكر عيسى - عليه الصّلاة والسلام - قالوا : يا محمد لا مثل عيسى فعلت كما تزعم ولا كما تقص علينا من الأنبياء فعلت فائتنا بما أتى به عيسى - عليه الصلاة والسّلام - إن كنت صادقا ، فقال اللّه عز وجل : أفكلّما جاءكم يا معشر اليهود رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ، وتعظّمتم عن الإيمان به ، فطائفة كذبتم مثل عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ، وطائفة تقتلون أي : قتلتم مثل : زكريا ويحيى وشعيب ، وسائر من قتلوا من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 88 ] وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ ( 88 ) « قُلُوبُنا غُلْفٌ » مبتدأ وخبر ، والجملة في محلّ نصب بالقول قبله ، وقرأ الجمهور « 1 » : « غلف » بسكون اللام ، وفيها وجهان : أحدهما : وهو الأظهر أن يكون جمع « أغلف » ك « أحمر وحمر » و « أصفر وصفر » ، والمعنى على هذا : أنها خلقت وجعلت مغشّاة لا يصل إليها الحقّ ، فلا تفهمه ونظيره : وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ [ فصلت : 5 ] قال مجاهد وقتادة استعارة من الأغلف الذي لم يختتن . والثاني : أن يكون جمع « غلاف » ، ويكون أصل اللام الضم ، فتخفف نحو : « حمار وحمر » ، « وكتاب وكتب » ، إلّا أن تخفيف « فعل » إنما يكون في المفرد غالبا نحو : « عنق » في « عنق » وأما « فعل » الجمع فقال ابن عطية : « لا يجوز تخفيفه إلّا في ضرورة » ، وليس كذلك ، بل هو قليل ، وقرأ ابن عبّاس والأعرج « 2 » - ويروى عن أبي عمرو - بضمّ اللام ، وهو جمع « غلاف » ، ولا يجوز أن يكون « فعل » في هذه القراءة جمع أغلف ؛ لأن تثقيل
--> ( 1 ) انظر في قراءة الجمهور : الحجة للقراء السبعة : 2 / 253 . ( 2 ) وقرأ بها ابن محيصن ، وابن هرمز . انظر الحجة للقراء السبعة : 2 / 153 ، وإتحاف فضلاء البشر : 1 / 403 ، والمحرر الوجيز : 1 / 177 ، والبحر المحيط : 1 / 469 ، والدر المصون : 1 / 296 .