عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
270
اللباب في علوم الكتاب
« فعل » الصحيح العين ، لا يجوز إلّا في شعر ، والمعنى على هذه القراءة : أن قلوبنا أوعية فهي غير محتاجة إلى علم آخر ، وهو قول ابن عباس وعطاء . وقال الكلبي : « معناه أوعية لكلّ علم فهي لا تسمع حديثا إلا وعته إلّا حديثك لا تعقله ولا تعيه ، ولو كان فيه خير لفهمته ووعته » . وقيل : غلف كالغلاف الذي لا شيء فيه مما يدلّ على صحة قولك : التغليف كالتعمية في المعنى . فصل في كلام المعتزلة قالت المعتزلة : هذه الآية تدلّ على أنه ليس في قلوب الكفّار ما لا يمكنهم معه الإيمان ، لا غلاف ولا كنّ ولا سدّ على ما يقوله المجبرة ، لأنه لو كان كذلك لكان هؤلاء اليهود صادقين في هذا القول ، فلا يكذبهم اللّه في قوله : « بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ » وإنما يذمّ الكاذب المبطل لا الصّادق المحق ، وقالوا : هذا يدل على أن معنى قوله تعالى : إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ [ الكهف : 57 ] و إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا [ يس : 8 ] ، وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا [ يس : 9 ] ليس المراد كونهم ممنوعين عن الإيمان ، بل المراد : إما منع الألطاف ، أو تشبيه حالهم في إصرارهم على الكفر بمنزلة المجبور على الكفر . قالوا : ونظير ذم اللّه - تعالى - اليهود على هذه المقالة ذمه الكافرين على مثل هذه المقالة ، وهو قوله تعالى : وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ [ فصلت : 5 ] ولو كان الأمر على ما يقوله المجبرة لكان هؤلاء القوم صادقين ، وإذا كان الأمر كذلك لم يذمّوا . قال ابن الخطيب : واعلم أنا بيّنا في تفسير « الغلف » ثلاثة أوجه ، فلا يجب الجزم بواحد منها من غير دليل . سلمنا أن المراد منه ذلك الوجه لكن لم قلتم : إن الآية تدل على أن ذلك القول مذموم ؟ فإن قيل : إنما لعنهم اللّه بسبب هذه المقالة . فالجواب من وجوه : أحدها : لا نسلم ، بل لعلّه - تعالى - حكى عن حالهم ، أو عنهم قولا ، ثم بين أن من حالهم أنهم ملعونون بسبب كفرهم . وثانيها : لعلّ المراد من قوله تعالى : « قُلُوبُنا غُلْفٌ » أنهم ذكروا ذلك على سبيل الاستفهام بمعنى الإنكار ، يعني : ليس قلوبنا في غلاف ولا في غطاء ، بل أفهامنا قويّة ، وخواطرنا منيرة ، ثم إنا تأملنا في دلائلك فلم نجد شيئا قويّا فلما ذكروا هذا الوصف