عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
268
اللباب في علوم الكتاب
قال تعالى : بِأَهْوائِهِمْ [ الأنعام : 119 ] ولا يجمع على « أهوية » ، وإن كان قد جاء « ندى » و « أندية » ؛ قال الشاعر : [ البسيط ] 652 - في ليلة من جمادى ذات أندية * لا يبصر الكلب من ظلمائها الطّنبا « 1 » وأما « هوى يهوي » بفتحها في الماضي وكسرها في المضارع فمعناه السّقوط ، و « الهويّ » بفتح الهاء ، ذهاب في انحدار . و « الهويّ » : ذهاب في صعود وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء اللّه تعالى . وأسند الفعل إلى « الأنفس » دون المخاطب فلم يقل : « بما لا تهوون » تنبيها على أنّ النفس يسند إليها الفعل السيّىء غالبا نحو : إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [ يوسف : 53 ] بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ [ يوسف : 18 ] و « استكبر » بمعنى : « تكبر » . قوله : « فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ » « الفاء » عاطفة جملة « كذبتم » على « استكبرتم » ، و « فريقا » مفعول مقدم ، قدم لتتفق رؤوس الآي ، وكذا : « فريقا تقتلون » ، ولا بدّ من محذوف ، أي : فريقا منهم ، والمعنى أنه نشأ عن استكبارهم مبادرة فريق من الرسل بالتكذيب ، ومبادرة آخرين بالقتل . وقدم التكذيب ؛ لأنه أول ما يفعلونه من الشّر ؛ ولأنه مشترك بين المقتول وغيره ، فإنّ المقتولين قد كذبوهم أيضا ، وإنما لم يصرّح به ؛ لأنه ذكر أقبح منه في الفعل . وجيء ب « تقتلون » مضارعا ، إما لكونه مستقبلا ؛ لأنهم كانوا يرومون قتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ولذلك سحروه ، وسمّوا له الشاة ، وقال عليه الصلاة والسلام عند موته : « ما زالت أكلة خيبر تعاودني ، فهذا أوان انقطاع أبهري » « 2 » ولما فيه من مناسبة رؤوس الآي والفواصل ، وإما أن يراد به الحال الماضية ؛ لأن الأمر فظيع ، فأريد استحضاره في النّفوس ، وتصويره في القلوب .
--> ( 1 ) البيت لمرة بن محكان ينظر لسان العرب ( ندى ) ، والمقاصد النحوية 4 / 510 ، والمقتضب 3 / 481 والخصائص 3 / 52 ، 3 / 237 ، وشرح التصريح 2 / 293 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 1563 ، والأغاني 3 / 318 ، ولسان العرب ( رجل ) ، وشرح المفصل 10 / 17 ، وشرح شافية ابن الحاجب ص 329 ، وشرح الأشموني 3 / 656 ، وأوضح المسالك 4 / 294 ، الدر المصون 1 / 295 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الصحيح ( 7 / 737 ) كتاب المغازي ( 64 ) باب مرض النبي صلّى اللّه عليه وسلم ووفاته ( 83 ) حديث رقم ( 4428 ) عن عائشة رضي اللّه عنها « كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم » . وقوله أوان بالفتح على الظرفية قال أهل اللغة الأبهر عرق مستبطن بالظهر متصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبه وقال الخطابي يقال إن القلب متصل به اه . وأبو داود في السنن كتاب الديات باب ( 6 ) . والبيهقي في دلائل النبوة ( 4 / 264 ) . وذكره ابن حجر في فتح الباري 8 / 131 ، 10 / 247 . وابن كثير في البداية والنهاية 4 / 210 . والزبيدي في الإتحاف 7 / 184 .