عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

253

اللباب في علوم الكتاب

قال ابن عطية : وحسن لفظ الإتيان من حيث هو في مقابلة الإخراج ، فيظهر التّضادّ المقبح لفعلهم في الإخراج . يعني : أنه لا يناسب من أسأتم إليه بالإخراج من داره أن تحسنوا إليه بالفداء . فصل فيما أخذ اللّه على بني إسرائيل قال السّدي : إن اللّه أخذ على بني إسرائيل في التوراة ألّا يقتل بعضهم بعضا ، ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم ، وأيّما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام من ثمنه وأعتقوه ، وكانت « قريظة » حلفاء « الأوس » ، « والنضير » حلفاء « الخزرج » ، وكانوا يقتلون في حرب سنين ، فيقاتل « بنو قريظة » مع حلفائهم ، « وبنو النضير » مع حلفائهم ، وإذا غلبوا خربوا ديارهم ، وأخرجوهم منها ، وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه ، وإن كان الأسير من عدوّهم ، فتعيّرهم العرب ، ويقولون : كيف تقاتلونهم وتفدونهم ؟ قالوا : إنا أمرنا أن نفديهم ، فيقولون : فلم تقاتلونهم ؟ قالوا : إنا نستحي أن تذلّ حلفاؤنا ، فعيّرهم اللّه تعالى ، فقال : « ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ » . وفي الآية تقديم وتأخير ، ونظمها : وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان ، وهو محرم عليكم إخراجهم ، وإن يأتوكم أسارى تفادوهم فكان اللّه - تعالى - أخذ عليهم أربعة عهود : ترك القتال ، وترك الإخراج ، وترك المظاهرة عليهم مع أعدائهم ، وفداء أسرائهم ، فأعرضوا عن الكل إلا الفداء ، فقال عز وجل : أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [ البقرة : 85 ] . وقال مجاهد : يقول : إن وجدته في يد غيرك فديته ، وأنت تقتله بيدك « 1 » . قوله : « وَهُوَ مُحَرَّمٌ » فيه وجوه . والظاهر منها : أن يكون « هو » ضمير الشأن والقصّة ، فيكون في محلّ رفع بالابتداء ، و « محرم » خبر مقدم ، وفيه ضمير قائم مقام الفاعل ، و « إخراجهم » مبتدأ مؤخر ، والجملة من هذا المبتدأ والخبر في محل رفع خبرا لضمير الشأن ، ولم تحتج هنا إلى عائد على المبتدأ ؛ لأن الخبر نفس المبتدأ أو عينه . وهذه الجملة مفسرة لهذا الضمير ، وهو أحد المواضع التي يفسر فيها الضمير بما بعده وقد تقدّمت ، وليس لنا من الضّمائر ما يفسّر بجملة غير هذا الضمير ، ومن شرطه أن يؤتى به في مواضع التّعظيم ، وأن يكون معمولا للابتداء أو نواسخه فقط ، وأن يفسر بجملة مصرح بجزئيها ، ولا يتبع بتابع من التّوابع الخمسة ، ويجوز تذكيره وتأنيثه مطلقا خلافا لما فصل ، فتذكيره باعتبار الأمر والشأن ، وتأنيثه باعتبار القصّة فتقول :

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 2 / 309 ) من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد .