عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
211
اللباب في علوم الكتاب
والأقرب في نظم الكلام أنه راجع إلى الكسب المأخوذ على وجه الكتابة والتحريف ، وإن كان من حيث العموم أنه يشمل الكل . فصل في الرد على المعتزلة قال القاضي : دلت الآية على أن كتابتهم ليست خلقا للّه - تعالى - لأنها لو كانت خلقا للّه - تعالى - لكانت إضافتها إليه - تعالى - بقولهم : « هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ » * حقيقة ؛ لأنه - تعالى - إذا خلقها فيهم فهب أن العبد يكتسب إلا أن نسبة ذلك الفعل إلى الخالق أقوى من انتسابه إلى المكتسب ، فكان إسناد تلك الكتابة إلى اللّه - تعالى - أولى من إسنادها إلى العبد ، فكان يجب أن يستحقوا الحمد على قولهم فيها : إنها من عند اللّه ، ولما لم يكن كذلك علمنا أن تلك الكتابة ليست مخلوقة للّه تعالى . والجواب : أنّ الداعية الموجبة لها من خلق اللّه كما تقدم في مسألة الداعي . فصل [ في رواية أن أحبار اليهود خافوا ذهاب كلمتهم ومآكلهم وزوال رياستهم حين قدمرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « المدينة » فاحتالوا في تعويق اليهود عن الإيمان ] يروى أن أحبار اليهود خافوا ذهاب كلمتهم ومآكلهم وزوال رياستهم حين قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « المدينة » فاحتالوا في تعويق اليهود عن الإيمان ، فعمدوا إلى صفة محمد صلّى اللّه عليه وسلم في التوراة فغيّروها ، وكان صفته فيها حسن الوجه ، حسن الشعر ، أكحل العينين ربعة القامة فغيّروها وكتبوا مكانها طويلا أزرق سبط الشعر ، فإذا سألهم سفلتهم عن محمد صلّى اللّه عليه وسلم قرءوا ما كتبوه عليهم ، فيجدونه مخالفا لصفته فيكذبونه « 1 » . وقال أبو مالك : نزلت هذه الآية في الكاتب الذي كان يكتب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فيغير ما يملي عليه . روى الثعلبي بإسناده عن أنس أن رجلا كان يكتب للنبي صلّى اللّه عليه وسلم وكان قد قرأ « البقرة » و « آل عمران » وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلم تلا « غَفُوراً رَحِيماً » * فكتب « عَلِيماً حَكِيماً » * فيقول له النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « اكتب كيف شئت » قال : فارتد ذلك الرجل عن الإسلام ، ولحق بالمشركين فقال : أنا أعلمكم بمحمد إنّي كنت أكتب ما شئت ، فمات ذلك الرجل فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إنّ الأرض لا تقبله » « 2 » قال : فأخبرني أبو طلحة : أنه أتى الأرض التي مات فيها ، فوجده منبوذا .
--> ( 1 ) أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس موقوفا كما ذكره الحافظ السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 159 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري في « المناقب » ( 3617 ) باب علامات النبوة في الإسلام ومسلم بنحوه ( 2781 ) باب صفات المنافقين وابن حبان ( 1521 - موارد ) وأحمد ( 3 / 222 ) والطيالسي ( 2 / 5 ) رقم ( 1900 ) والطحاوي في « مشكل الآثار » ( 4 / 240 ) وأبو يعلى ( 7 / 22 - 23 ) عن أنس بن مالك . وأخرجه ابن ماجة ( 2 / 1296 - 1297 ) عن عمران بن حصين بلفظ : إن الأرض لتقبل من هو شر منه ، ولكن اللّه أحب أن يريكم تعظيم حرمة لا إله إلا اللّه .