عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

205

اللباب في علوم الكتاب

وقال تعالى : إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [ الحج : 52 ] أي : قرأ وتلا . والأصل على هذا : « أمنوية » فأعلت إعلال « ميت » و « سيد » وقد تقدم . وقيل : الأمنية : الكذب والاختلاق . قال أعرابي لابن دأب « 1 » في شيء يحدث به : أهذا الشيء رويته أم تمنيته أي : اختلقته . وقيل : ما يتمنّاه الإنسان ويشتهيه . وقيل : ما يقدره ويحزره من منّى : إذا كذب ، أو تمنى ، أو قدر ؛ كقوله : [ البسيط ] 605 - لا تأمننّ وإن أمسيت في حرم * حتّى تلاقي ما يمني لك الماني « 2 » أي : يقدر لك المقدر . قال الراغب : والمني : التقدير ، ومنه « المنا » الذي يوزن به ، ومنه « المنية » وهو الأجل المقدر للحيوان ، « والتّمنّي » : تقدير شيء في النفس وتصويره فيها ، وذلك قد يكون عن ظنّ وتخمين ، وقد يكون بناء على رويّة وأصل ، لكن لما كان أكثره عن تخمين كان الكذب أملك له ، فأكثر التمني تصوّر ما لا حقيقة له [ والأمنية : الصورة الحاصلة في النفس من تمني الشيء ] « 3 » . ولما كان الكذب تصوّر ما لا حقيقة له وإيراده باللفظ الدّال صار التمني كالمبدأ للكذب فعبر عنه . ومنه قوله عثمان : « ما تغنيت ولا تمنيت منذ أسلمت » « 4 » . وقال الزمخشري « 5 » : والاشتقاق من منّى : إذا قدّر ؛ لأن المتمني يقدّر في نفسه ، ويحزر ما يتمناه ، وكذلك المختلق ، والقارئ يقدر أن كلمة كذا بعد كذا ، فجعل بين هذه المعاني قدرا مشتركا وهو واضح .

--> ( 1 ) عيسى بن يزيد بن بكر بن دأب الليثي البكري الكناني ، أبو الوليد : خطيب ، شاعر ، عالم بالأنساب ، راوية من أهل المدينة ، اشتهر بأخباره مع المهدي العباسي . وحظي عند الهادي حظوة لم تكن لأحد . قال ابن قتيبة : له عقب بالبصرة ، وكان أبوه « يزيد » عالما أيضا بأخبار العرب وأشعارها ، والأغلب على آل دأب الأخبار . توفي سنة 171 ه . انظر إرشاد الأريب : 6 / 104 ، البيان والتبيين : 1 / 30 ، لسان الميزان : 4 / 408 ، التاج : 1 / 242 ، الأعلام : 5 / 111 . ( 2 ) البيت لسويد بن عامر . ينظر اللسان والتاج ( منى ) ، القرطبي : ( 2 / 6 ) ، الدر المصون : 1 / 269 . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) أخرجه ابن ماجة في السنن ( 1 / 113 ) كتاب الطهارة باب كراهة مسّ الذكر باليمين والاستنجاء باليمين حديث رقم ( 311 ) عن عثمان بن عفان بلفظه . ( 5 ) ينظر الكشاف : 1 / 157 .