عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
157
اللباب في علوم الكتاب
وهذا جواب لاستفهامهم في المعنى ، كأنه قال لا أهزأ مستعيذا باللّه من ذلك فإن الهازىء جاهل ، فلم يستعذ موسى - عليه الصلاة والسلام - من الشّيء الذي نسبوه إليه ، لكنه استعاذ من السّبب الموجب له ، كما يقول : أعوذ باللّه من عدم العقل ؛ وغلبة الهوى ، والحاصل أنه أطلق اسم السّبب على المسبب مجازا . ويحتمل أن يكون المراد « أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ » بما في الاستهزاء في أمر الدين من العقاب الشديد ، والوعيد العظيم ، فإني متى علمت ذلك امتنع إقدامي على الاستهزاء . وقال بعضهم : إن نفس الهزوّ قد يسمى جهلا وجهالة ، فقد روي عن بعض أهل اللّغة أن الجهل ضدّ الحلم ، كما قال بعضهم : إنه ضدّ العلم . قوله : « أَنْ أَكُونَ » أي من أن « 1 » أكون ، فيجيء فيه الخلاف المعروف . و « من الجاهلين » خبرها ، وهو أبلغ من قولك : أن أكون جاهلا . فإن المعنى أن انتظم في سلك قوم اتصفوا بالجهل . قوله : « قالُوا : ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ » ف « يبيّن » مجزوم على جواب الأمر كقوله : فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا [ البقرة : 61 ] . قوله « ما هي » ، « ما » استفهامية في محلّ رفع بالابتداء ، تقديره : أي شيء هي ؟ وما [ الاستفهامية ] « 2 » يطلب بها شرح الاسم تارة ، نحو : ما العنقاء ؟ وماهية المسمى أخرى ، نحو : ما الحركة ؟ . وقال السكاكي « 3 » : « يسأل ب « ما » عن الجنس ، تقول : ما عندك ؟ أي : أيّ أجناس الأشياء عندك ؟ وجوابه « كتاب » ونحوه ، أو عن الوصف ، تقول : ما زيد ؟ وجوابه : « كريم » ، وهذا هو المراد في الآية . و « هي » ضمير مرفوع منفصل في محلّ رفع خبرا ل « ما » والجملة في محلّ نصب ب « يبيّن » ؛ لأنه معلّق عن الجملة بعده ، وجاز ذلك ؛ لأنه شبيه بأفعال القلوب . قوله : « لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ » لا « نافية » ، و « فارض » صفة ل « بقرة » . واعترض ب « لا » بين الصفة والموصوف ، نحو : « مررت برجل لا طويل ولا قصير » . وأجاز أبو البقاء : أن يكون خبر المبتدأ محذوف ، أي : لا هي فارض .
--> ( 1 ) في ب : بأن . ( 2 ) في أ : استفهامية . ( 3 ) يوسف بن أبي بكر بن محمد بن علي السكاكي الخوارزمي الحنفي أبو يعقوب سراج الدين : عالم بالعربية والأدب مولده ووفاته بخوارزم من كتبه : « مفتاح العلوم » و « رسالة في علم المناظرة » . ينظر الأعلام : 228 ، الجواهر المضية : 2 / 225 ، الشذرات : 5 / 122 .