أحمد بن محمود السيواسي

114

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

[ سورة الأحقاف ( 46 ) : آية 28 ] فَلَوْ لا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 28 ) ( فَلَوْ لا نَصَرَهُمُ ) أي هلا منعهم من العذاب ( الَّذِينَ اتَّخَذُوا ) أي اتخذوهم ( مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً ) أي أصناما للعبادة ، و « قُرْباناً حال » ، أي حال كونهم يتقربون بها إلى اللّه لأجل الشفاعة حيث قالوا هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه ، وأحد مفعول ي « تخذوا » محذوف والثاني « آلِهَةً » ، ولا يصح أن يكون « قُرْباناً » مفعولا ثانيا و « آلِهَةً » بدلا منه لفساد المعنى ، إذ المنكر اتخاذهم آلهة لا اتخاذهم قربانا ( بَلْ ضَلُّوا ) أي غابوا عند نزول العذاب بهم ( عَنْهُمْ ) أي عن نصرتهم ( وَذلِكَ ) أي اتخاذهم إياها آلهة ( إِفْكُهُمْ ) أي أثر إفكهم وكذبهم وثمرة شركهم ، قوله ( وَما كانُوا يَفْتَرُونَ ) [ 28 ] عطف على « إِفْكُهُمْ » ، أي وافتراؤهم على اللّه الكذب من كونه ذا شركاء ، فقوله « وَذلِكَ إِفْكُهُمْ » إشارة إلى امتناع نصرة آلهتهم لهم وضلالهم عنهم ، لأنه لو كان صدقا لنصروهم . [ سورة الأحقاف ( 46 ) : الآيات 29 إلى 30 ] وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ( 29 ) قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ( 30 ) ( وَإِذْ صَرَفْنا ) أي اذكر إذا قابلنا ( إِلَيْكَ ) يا محمد ( نَفَراً مِنَ الْجِنِّ ) وهو دون العشرة والجمع أنفار ، قيل : كانوا سبعة « 1 » أو تسعة من جن نصيبين « 2 » في اليمن ( يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ) من النبي عليه السّلام ليلا قائما بنخلة يصلي صلاة الفجر وذلك عند مصرفه من الطائف حين خرج إليهم يستنصرهم فلم يجيبوه إلى مطلوبه ( فَلَمَّا حَضَرُوهُ ) أي القرآن ، يعني قربوا منه بحيث يسمعون ( قالُوا ) أي قال بعضهم لبعض ( أَنْصِتُوا ) أي أصغوا لاستماع القرآن ( فَلَمَّا قُضِيَ ) أي فرغ من قراءته والصلاة ( وَلَّوْا ) أي رجعوا ( إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ) [ 29 ] أي مخوفين قومهم العذاب « 3 » إن لم يؤمنوا بأمر النبي عليه السّلام لا من تلقاء أنفسهم وكان الذي قرأ عليهم سورة الرحمن ، روي عن ابن مسعود رضي اللّه عنه أنه لم يحضر مع النبي عليه السّلام ليلة الجن غيره قال : « فخط لي خطا ثم أمرني بالجلوس فيه ، وقال لا تخرج منه حتى أعود إليك ، فإنك إن خرجت لن تراني إلى يوم القيامة » « 4 » ، فلما رأوا قومهم ( قالُوا ) أي قال الجن التي سمعت القرآن وكانوا من اليهود فلذلك قالوا ( يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً ) هو القرآن ( أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ) أي موافقا لما قبله من الكتاب وهو التورية ، وقالوا من بعد موسى ، لأنهم لم يعلموا بعيسى ( يَهْدِي ) أي يدعو ويرشد ( إِلَى الْحَقِّ ) أي إلى الإسلام ( وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ) [ 30 ] وهو العمل به الموصل إلى اللّه . [ سورة الأحقاف ( 46 ) : آية 31 ] يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ( 31 ) ( يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ ) أي النبي عليه السّلام إلى الإيمان ( وَآمِنُوا بِهِ ) أي صدقوه ( يَغْفِرْ ) أي ليغفر ( لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ) أي بعض ذنوبكم إن آمنتم به وبعضها لا يغفر إلا برضا أربابها كالمظالم ( وَيُجِرْكُمْ ) أي يؤمنكم ( مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ) [ 31 ] وهو عذاب النار ، واختلف في الجن ، فعند أبي حنيفة رحمه اللّه لا ثواب لهم إلا النجاة من النار لقوله « وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ » ، وعند غيره ثواب ونجاة من النار ، لأنهم في حكم بني آدم في الثواب والعقاب لكونهم مكلفين « 5 » بالعمل بالأمر والانتهاء بالنهي ولقوله « وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ، فَبِأَيِّ آلاء ربكما تكذبان » « 6 » .

--> ( 1 ) عن ابن عباس ، انظر البغوي ، 5 / 147 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 5 / 258 . ( 2 ) نقله عن البغوي ، 5 / 147 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 5 / 258 . ( 3 ) العذاب ، وي : - ح . ( 4 ) أخرج أحمد بن حنبل نحوه ، 1 / 399 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 3 / 237 . ( 5 ) هذه الأقوال مأخوذة عن الكشاف ، 5 / 258 . ( 6 ) الرحمن ( 55 ) ، 46 - 47 .