أحمد بن محمود السيواسي

97

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

( وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ ) أي قبل أن يعود إليهم موسى ( يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ ) أي ابتليتم بعبادة العجل من اللّه فلا تعبدوه ( وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ ) يقينا ( فَاتَّبِعُونِي ) أي اتبعوا ديني ( وَأَطِيعُوا أَمْرِي ) [ 90 ] الذي آمركم به ( قالُوا لَنْ نَبْرَحَ ) أي لن نزال ( عَلَيْهِ ) أي على عبادته ( عاكِفِينَ ) أي مقيمين ( حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى ) [ 91 ] فاعتزلهم هارون في اثني عشر ألفا لم يعبدوا العجل ، ولما جاءهم موسى ( قالَ يا هارُونُ ما ) أي أي شيء ( مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ) [ 92 ] بعبادة العجل من ( أَلَّا تَتَّبِعَنِ ) « لا » مزيدة فيه ، أي من أن تتبع أمري الذي أمرتك به من القيام بمصالحهم فتقاتلهم وتمنعهم من أن يضلوا عن سبيل اللّه وتلحق بي إذا عجزت عنهم ( أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي ) [ 93 ] أي خالفت وصيتي لك فأخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله يجره إليه . [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 94 إلى 96 ] قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ( 94 ) قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ ( 95 ) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ( 96 ) ( قالَ ) هارون لموسى ( يَا بْنَ أُمَّ ) بكسر الميم بنية الإضافة إلى الياء وبفتحها وحذف الألف « 1 » ( لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي ) أي بشعر رأسي ( إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ ) إذا ألقيت بينهم الحرب ( فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ ) وتغضب علي ، أي جعلتهم فرقتين ( وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ) [ 94 ] أي لم تنظر في أمري أو لم تنتظر قدومي ثم أقبل على السامري و ( قالَ ) لم عملته ( فَما خَطْبُكَ ) أي فما شأنك هذا وما كان مطلوبك منه أو ما الذي حملك على عمله ( يا سامِرِيُّ [ 95 ] قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ ) بتاء الخطاب وعلمت ما لم تعلموا ، وقرئ بالياء « 2 » ، يعني بني إسرائيل ، قال موسى : ما الذي رأيت ؟ قال رأيت رسولا إليك على فرس الحياة ( فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ) أي المرسل إليك وهو جبرائيل ليذهب بك إلى الطور عند تمام موعد الذهاب إليه للمناجاة ، وإنما لم يقل جبرائيل لأنه لم يعرف أن الرسول اسمه جبرائيل ، يعني أخذت من تراب أثر فرس المرسل إليك حين رأيته راكب فرس الحياة ، وقلت أن له شأنا عظيما أقبض من تربة موطئه ، « فَقَبَضْتُ « قبضة » بالفتح والضم اسم للمقبوض بالكف ، وبالصاد المهملة « 3 » الأخذ بأطراف الأصابع ( فَنَبَذْتُها ) أي طرحتها في العجل المصاغ فحيي ( وَكَذلِكَ ) أي كما حدثتك ( سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ) [ 96 ] أي زينت فلا تلمني بفعلي ولمهم بعبادتهم العجل ، قيل : كيف رأي هو جبرائيل من بين سائر الناس ؟ أجيب بأن أمه لما ولدته في السنة التي يقتل فيها البنون وضعته في كهف حذرا عليه فبعث اللّه جبرائيل ليربيه لأجل هذه الفتنة فعرفه حين رآه « 4 » . [ سورة طه ( 20 ) : آية 97 ] قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً ( 97 ) ( قالَ ) موسى له ( فَاذْهَبْ ) من بيننا مطرودا ( فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ ) أي في عمرك ( أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ ) أي لا يمسني أحد ولا أمس أحدا فكان يهيم في البرية لا يخالط الناس وكان إذا رأى أحدا قال لا تقربني وفر منه ، لأنه إذا مس أحدا أو مسه أحد حما كلاهما ، وروي : أن ذلك موجود في أولاده إلى الآن « 5 » ، فكان ذلك أشد عقوبة له في الدنيا ( وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً ) لعذابك ( لَنْ تُخْلَفَهُ ) بضم التاء وكسر اللام من أخلف الموعد إذا غاب عنه ، وبفتح اللام « 6 » ، أي تبعث إليه البتة ، المعنى : أن هذا لك في الدنيا ولك في الآخرة موعد لن تغيب عنه أو لن تؤخر عنه ، يعني يكافيك اللّه على ما فعلته ثمة ، واللّه لا يخلف الميعاد ( وَانْظُرْ ) يا سامري ( إِلى إِلهِكَ ) بزعمك ( الَّذِي ظَلْتَ )

--> ( 1 ) « يبنؤم » : قرأ الشامي وشعبة والأخوان وخلف بكسر الميم ، والباقون بفتحها . البدور الزاهرة ، 207 . ( 2 ) « يبصروا » : قرأ الأخوان وخلف بتاء الخطاب ، والباقون بياء الغيبة ، البدور الزاهرة ، 207 . ( 3 ) قد أخذ المؤلف هذه القراءة عن الكشاف ، 4 / 44 . ( 4 ) نقله المؤلف عن البغوي ، 4 / 28 - 29 . ( 5 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها . ( 6 ) « تخلفه » : قرأ المكي والبصريان بكسر اللام ، والباقون بفتحها . البدور الزاهرة ، 207 .